انهيار مدرسة التوازن بالقوة الخارجية: عندما تتحول الحماية الأجنبية إلى مصدر للخطر
انهيار مدرسة التوازن بالقوة الخارجية: عندما تتحول الحماية الأجنبية إلى مصدر للخطر
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 26 أكتوبر 2026
على مدى عقود، قامت العقيدة الأمنية لدول الخليج العربي على مدرسة استراتيجية يمكن تسميتها مدرسة التوازن بالقوة الخارجية. وتقوم فكرتها على أن الدول الصغيرة والمتوسطة تستطيع تعويض اختلال موازين القوة بالتحالف مع دولة عظمى تتولى مهمة الردع والحماية.
وقد برز عدد من المفكرين الاستراتيجيين الخليجيين الذين أكدوا أهمية المظلة العسكرية الأمريكية، منهم الدكتور سامي محمد الفرج من الكويت، والدكتور عبدالخالق عبدالله من الإمارات الذي صرح عام 2023 بأنه لا بديل عن أمريكا كشريك أمني للخليج، والدكتور عبدالله الشايجي من الكويت الذي أكد أهمية الحليف الأمريكي مع دعوته إلى تطوير الدفاع الخليجي المشترك، والدكتور عبدالعزيز بن عثمان بن صقر من السعودية الذي حذر من تداعيات الانسحاب الأمريكي، مع تأكيده ضرورة تعزيز القدرات الخليجية الذاتية.
ورغم اختلاف هؤلاء المفكرين في درجة اعتمادهم على الحماية الخارجية، فقد اشتركوا في إدراك أهمية القوة الأمريكية في موازين الأمن الإقليمي.
وقد بدت هذه المدرسة ناجحة عندما تدخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها لتحرير الكويت عام 1991، فأصبح ذلك الانتصار العسكري أساساً لترسيخ الاعتقاد بأن الوجود الأمريكي يمثل الضمانة النهائية لأمن الخليج.
غير أن نجاح هذه المدرسة في معالجة تهديد عسكري محدد لا يعني صلاحيتها لضمان الأمن القومي بصورة دائمة. فالقوة الخارجية لا تتحرك وفق مصالح الدول التي تحميها وحدها، وإنما وفق حساباتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، وقد تتعارض تلك الحسابات مع مصالح الدول التي تستضيف قواعدها وتمول جانباً من وجودها العسكري.
وهنا يكمن الخلل الجوهري الذي كشفت عنه أحداث السنوات الأخيرة.
في سبتمبر 2019، تعرضت منشآت أرامكو في بقيق وخريص لهجوم أدى إلى تعطيل مؤقت لنحو 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج النفطي السعودي، أي نحو خمسة في المئة من الإمدادات العالمية آنذاك. ورغم العلاقات العسكرية الوثيقة بين الرياض وواشنطن، لم يؤد الهجوم إلى رد عسكري أمريكي مباشر على إيران.
لقد أثبتت تلك الواقعة أن وجود قوة عظمى حليفة لا يعني بالضرورة استعدادها لخوض حرب دفاعاً عن المنشآت الاقتصادية لدولة أخرى.
وفي التاسع من سبتمبر 2025، تعرضت الدوحة لضربة عسكرية إسرائيلية استهدفت قيادات من حركة حماس، رغم استضافة قطر قاعدة العديد، إحدى أهم المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وكانت المفارقة أن الدولة المرتبطة بعلاقات دفاعية وثيقة مع الولايات المتحدة تعرضت لهجوم نفذته إسرائيل، الحليف العسكري الأوثق لواشنطن في الشرق الأوسط.
لم تمنع العلاقات العسكرية الأمريكية القطرية وقوع الهجوم، ولم تتحول المعارضة الأمريكية له إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
وهنا ظهر خلل آخر في مدرسة الحماية الخارجية: فقد تكون الدولة الحامية مرتبطة بتحالفات مع أطراف تتعارض أعمالها العسكرية مع أمن الدولة التي تتولى حمايتها.
ثم جاءت حرب فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لتضع هذه المدرسة أمام اختبار لم تعرفه منذ تحرير الكويت.
فبدلاً من أن تظل القواعد الأمريكية ضمانة للردع وحده، أصبحت المنشآت المرتبطة بالوجود الأمريكي ضمن أهداف الرد الإيراني، إلى جانب منشآت اقتصادية ومدنية خليجية.
ووفق تقرير دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في يونيو 2026، أطلقت إيران أكثر من 6700 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه دول مجلس التعاون خلال الفترة من 28 فبراير إلى 17 مايو.
ورغم اعتراض معظم الهجمات، فقد أصابت الحرب قطاعات الطاقة والمطارات والملاحة والاقتصاد بأضرار واضطرابات كبيرة.
وهنا حدث التحول الأخطر في مفهوم الأمن الخليجي.
فالدولة التي تستضيف قوة أجنبية لحمايتها من الحرب قد تجد نفسها معرضة للحرب نتيجة الصراع بين تلك القوة وخصومها، حتى عندما لا تكون قد اتخذت قرار المشاركة فيه.
وبذلك تتحول معادلة الحماية من وسيلة لتقليل احتمالات الحرب إلى علاقة قد تزيد تعرض الدولة لصراعات لا تتحكم في بدايتها أو نهايتها.
ولا يعني ذلك إنكار دور القوات الأمريكية في اعتراض الهجمات، لكنه يعني أن نجاح الدفاعات في إسقاط الصواريخ لا يعادل نجاح السياسة الأمنية في منع وقوع الحرب.
والأخطر أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى الخليج بالضرورة من المنظور الاقتصادي نفسه الذي تنظر إليه دول المنطقة.
فالغاز القطري والنفط السعودي والإماراتي والكويتي تشكل أساساً لاقتصادات وطنية تعتمد على استقرار الإنتاج والتصدير. أما الولايات المتحدة فقد أصبحت منتجاً ومصدراً رئيسياً للطاقة، وباتت مصالحها تجمع بين استقرار الأسواق والمنافسة التجارية داخلها.
وليس من الضروري أن تستفيد واشنطن من اضطراب الخليج حتى يظهر التعارض؛ فمجرد اختلاف الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية كافٍ لجعل مصالح الطرفين غير متطابقة.
وقد جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر 2025 لتؤكد تغير الأهمية النسبية لنفط الشرق الأوسط بالنسبة لواشنطن، مع استمرار اهتمامها بأمن إسرائيل وحرية الملاحة ومنع خصومها من السيطرة على موارد الطاقة.
ثم جاء تصريح المبعوث الأمريكي توم براك في منتدى الأمن العالمي بالدوحة يوم 20 أكتوبر 2026 ليكشف تحولاً في التفكير الأمريكي نفسه.
فقد أوضح أن واشنطن تعيد النظر في دورها التقليدي بوصفها ضامناً للأمن، وأن دول المنطقة مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، مع تأكيده أن الولايات المتحدة لا تعتزم مغادرة الشرق الأوسط.
وهنا نصل إلى النتيجة الأساسية.
إن ما انهار ليس التحالف العسكري بين الخليج والولايات المتحدة، ولا أهمية التعاون مع القوى العالمية، وإنما الاعتقاد بأن أمن الخليج يمكن ضمانه بصورة دائمة من خلال إسناد مسؤوليته النهائية إلى دولة أجنبية.
لقد كشفت التجربة ثلاثة اختلالات: القوة الحامية قد تمتنع عن التدخل عندما تتعرض مصالح حليفها للاعتداء، وقد تتعارض تحالفاتها الأخرى مع أمنه، وقد تدخل في حرب تجعل أراضيه ومنشآته أهدافاً للرد العسكري.
وقد ساهم الاعتماد الطويل على الحماية الخارجية، إلى جانب الخلافات الخليجية والتمسك بالقرار الدفاعي المنفرد، في تأخير بناء منظومة أمن جماعية قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة.
ولذلك فإن الحل ليس استبدال الحماية الأمريكية بحماية صينية أو روسية أو أوروبية، لأن ذلك سيعيد إنتاج المدرسة نفسها باسم دولة أخرى.
إن التحول المطلوب هو الانتقال من شراء الحماية إلى امتلاك القدرة الجماعية على إنتاج الأمن، عبر تكامل القدرات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية، مع الاحتفاظ بتحالفات دولية تخدم القرار الخليجي ولا تحل محله.
لقد أدت مدرسة التوازن بالقوة الخارجية دوراً تاريخياً مهماً، لكنها فقدت صلاحيتها بوصفها الضمانة الوحيدة للأمن الخليجي.
والخطر الحقيقي ليس في سقوط هذه المدرسة الفكرية، وإنما في استمرار الاعتماد عليها بعد انكشاف حدودها.
فالأمم التي تترك مسؤولية أمنها النهائي للآخرين قد تحصل على الحماية عندما تتطابق المصالح، لكنها لا تملك ضمان استمرار تلك الحماية عندما تتعارض المصالح.
وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يحدد مستقبل الأمن الخليجي للأجيال القادمة.
المراجع الأساسية للتحقق: تصريحات المفكرين الخليجيين ، وتقارير الكونغرس الأمريكي بشأن هجمات 2019 وحرب 2026 ، وتصريحات توم براك في أكتوبر 2026 .
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment