هلسنكي جديدة للشرق الأوسط قراءة نقدية
هل يحتاج الشرق الأوسط إلى "هلسنكي" جديدة؟ أم إلى قراءة واقعية للتاريخ؟
مقال نقدي في أطروحة فايننشال تايمز
تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 21 يوليو 2026
نشرت صحيفة فايننشال تايمز مقالًا يدعو إلى إنشاء "وثيقة هلسنكي للشرق الأوسط"، مستلهمًا التجربة الأوروبية في تخفيف التوتر بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة. تبدو الفكرة للوهلة الأولى نبيلة؛ الحوار بدل الحرب، وبناء الثقة بدل التصعيد. لكن السؤال الأهم ليس: هل الفكرة جميلة؟ بل: هل تصلح للواقع الذي تعيشه المنطقة؟
هنا يبدأ النقد.
أوروبا نفسها لم تطبق هذا المنهج عندما واجهت أخطر مشروع توسعي عرفته في القرن العشرين. فعندما بدأ أدولف هتلر يخرق المعاهدات ويضم الأراضي، لم يكن رد أوروبا إنشاء "هلسنكي" جديدة، بل سبقت ذلك سياسة الاسترضاء التي بلغت ذروتها في اتفاق ميونيخ عام 1938. وقد انتهت تلك السياسة بالفشل، إذ استمر التوسع الألماني حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ولهذا أصبح "الاسترضاء" في الفكر السياسي الغربي نفسه مثالًا على خطورة الاعتقاد بأن الدولة التوسعية ستتوقف بمجرد منحها مساحة أكبر للمناورة.
إن الدعوة اليوم إلى اتفاق أمني جديد في الشرق الأوسط تثير سؤالًا مشروعًا: هل تعالج أسباب الصراع، أم تؤجلها فقط؟
فالمنطقة لا تعاني من غياب المؤتمرات، بل من غياب الالتزام بالاتفاقات حين تتعارض مع حسابات القوة. وأي إطار أمني لا يتضمن آليات تحقق، ومساءلة، وتكلفة واضحة على من يخرق التزاماته، قد يبقى إعلانًا سياسيًا أكثر منه ضمانة للاستقرار.
كما أن المقارنة بين أوروبا في السبعينيات والشرق الأوسط اليوم ليست كاملة. فقد جاءت وثيقة هلسنكي بعد عقود من توازن الردع بين القوتين العظميين، وفي بيئة مختلفة من حيث طبيعة الدول والحدود والمؤسسات. أما الشرق الأوسط فيشهد تداخلًا بين النزاعات الإقليمية، والفاعلين غير الحكوميين، والبرامج الصاروخية، والملفات النووية، والحروب بالوكالة.
لهذا يرى منتقدو الطرح أن استنساخ نموذج أوروبي دون مراعاة اختلاف البيئة الاستراتيجية قد يؤدي إلى نتائج محدودة.
ولا يعني ذلك أن الحوار عديم الفائدة. فالحوار قد يخفف مخاطر سوء التقدير، ويفتح قنوات اتصال، ويساعد في إدارة الأزمات. لكن التجارب التاريخية تشير أيضًا إلى أن الحوار يكون أكثر فعالية عندما يستند إلى ردع موثوق، وليس عندما يُنظر إليه على أنه بديل عنه.
ومن هنا يمكن توجيه نقد جوهري للمقال: فهو يقدم نموذجًا أوروبيًا باعتباره وصفة قابلة للتطبيق، بينما لا يناقش بالقدر الكافي الشروط التي جعلت ذلك النموذج ينجح في أوروبا، ولا الفروق التي قد تجعل تطبيقه في الشرق الأوسط أكثر صعوبة.
الخاتمة
إن البحث عن الاستقرار هدف مشروع، لكن التاريخ يبين أن السلام الدائم لا يقوم على حسن النوايا وحده، بل على مزيج من الردع، والالتزام، والمحاسبة، والحوار. ومن حق أي دولة في المنطقة أن تتساءل: هل ستوفر المبادرات الجديدة أمنًا حقيقيًا، أم أنها ستكتفي بإدارة الصراع وتأجيل أزماته؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد قيمة أي مشروع إقليمي، لا جمال شعاراته.
المصادر والمراجع: حلف شمال الأطلسي، الموقع الرسمي والسياسات؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment