الخليج بعد تراجع التهديد الإيراني والنفوذ الأمريكي

الخليج بعد سقوط التهديد الإيراني وأفول النفوذ الأمريكي… هل تبدأ مرحلة القبضة الداخلية؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 13 مايو 2026

منذ انسحاب بريطانيا من الخليج، دخلت أمريكا كقوة ترسم شكل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة. لكن تأثيرها لم يكن عسكريًا فقط، بل امتد إلى طريقة إدارة الدولة الخليجية نفسها، وطبيعة علاقتها بالمواطن والمقيم، وحتى شكل القوانين والانفتاح الاجتماعي والإداري. فواشنطن، رغم تحالفها مع الأنظمة الخليجية، كانت تضغط بدرجات مختلفة نحو تخفيف القبضة، وتحسين بيئة الأعمال، وتنظيم حقوق العمالة، وتوسيع بعض مساحات المشاركة والإعلام، ليس حبًا بالديمقراطية دائمًا، بل لأن الاقتصاد العالمي المفتوح يحتاج بيئة مستقرة يمكن للعالم التعامل معها.

لكن السؤال الذي يقترب اليوم بهدوء أخطر من الحرب نفسها: ماذا يحدث إذا انتهت المواجهة الكبرى مع إيران، وتراجع النفوذ الأمريكي تدريجيًا من الخليج؟ هل تعود المنطقة إلى نموذج الدولة المغلقة التي لا يردعها ضغط خارجي ولا توازن دولي؟

في الحقيقة، هناك من يرى أن بعض ملامح هذا الاتجاه بدأت تظهر منذ سنوات. فبعد الربيع العربي، والحروب الأهلية، والانقسامات الطائفية، والهجمات الأمنية، بدأت بعض الدول الخليجية تنظر إلى الانفتاح بحذر أكبر، بل أحيانًا باعتباره خطرًا على الهوية الوطنية والتركيبة السكانية والاستقرار السياسي. ومن هنا بدأت موجة التشدد في ملفات الجنسية، والإقامة، والزواج، والمشاركة العامة.

في الكويت مثلًا، ما زال ملف “البدون” معلقًا منذ عقود دون حل جذري، رغم وجود أجيال كاملة عاشت داخل الدولة وارتبطت بها اجتماعيًا وثقافيًا. كما شهدت الحياة السياسية الخليجية عمومًا خلال السنوات الأخيرة تشددًا أكبر في بعض الملفات المرتبطة بالمشاركة العامة، سواء عبر تقليص أدوات التأثير البرلماني، أو تشديد قوانين التعبير والإعلام، أو توسيع الرقابة على النشاط السياسي والإلكتروني، أو تقليص مساحة الجدل العام المفتوح تحت شعار حماية الأمن والاستقرار.

وفي بعض الدول الخليجية، أصبح النشاط السياسي أو النقد العلني أكثر حساسية من السابق، مع تراجع دور بعض المجالس المنتخبة أو الحد من صلاحياتها الفعلية، إضافة إلى تشديدات تتعلق بالتجمعات العامة، ومراقبة الخطاب الإعلامي ومنصات التواصل الاجتماعي، وفرض قوانين أكثر صرامة على النشر والرأي السياسي. كما ظهرت قيود أكبر تتعلق بالزواج من غير المواطنين، وتعقيدات مرتبطة بالتجنيس والإقامة الدائمة، في ظل خوف متزايد من أي تغيير ديمغرافي أو سياسي قد يؤثر على بنية الدولة الخليجية التقليدية.

الأنظمة الخليجية ترى أن ما حدث في بعض الدول العربية كان درسًا قاسيًا. فالدول التي ضعفت فيها القبضة أو انقسمت فيها المؤسسات تحولت إلى ساحات للفوضى والتدخلات الخارجية. ولذلك تنظر بعض الحكومات الخليجية إلى التشدد الإداري والأمني باعتباره “وقاية مبكرة” قبل أن تتحول الأزمات إلى انهيارات شاملة.

لكن المشكلة أن المجتمع الخليجي نفسه تغيّر بالكامل. المواطن الخليجي اليوم ليس مواطن السبعينيات أو الثمانينيات. هو مواطن متعلم، متصل بالعالم، يرى كيف تعيش الدول الأخرى، ويقارن يوميًا بين ما يراه في الخارج وما يعيشه في الداخل. كما أن الاقتصاد الخليجي نفسه لم يعد قائمًا فقط على النفط، بل أصبح يعتمد على الاستثمار العالمي، والسياحة، والمدن الذكية، والجامعات الدولية، والاقتصاد الرقمي. وهذه المشاريع تحتاج بيئة منفتحة إداريًا واجتماعيًا حتى تستمر.

هنا يظهر التناقض الكبير الذي قد تواجهه المنطقة بعد انتهاء مرحلة إيران: كيف يمكن بناء اقتصاد عالمي مفتوح، وفي الوقت نفسه إدارة مجتمع بعقلية الإغلاق والخوف المستمر؟ وكيف يمكن جذب العالم للاستثمار والعمل والسياحة بينما يشعر المواطن أو المقيم أن مساحة الحركة والمشاركة تضيق عامًا بعد عام؟

الخطر الحقيقي على الخليج مستقبلًا قد لا يكون فقط من الخارج، بل من تحوّل الدولة إلى كيان يخشى مجتمعه أكثر من خوفه من أعدائه. فالتاريخ يقول إن الأنظمة التي تبالغ في الإغلاق بعد زوال الأخطار الخارجية تبدأ تدريجيًا في خلق فجوة نفسية بينها وبين الأجيال الجديدة، خصوصًا في المجتمعات الشابة والمتصلة بالعالم.

ولهذا فإن مرحلة ما بعد إيران، وما بعد النفوذ الأمريكي، قد تكون أخطر مرحلة سياسية واجتماعية تمر بها المنطقة منذ عقود. لأنها لن تكون معركة صواريخ أو مضائق فقط، بل معركة إعادة تعريف العلاقة بين الدولة الخليجية ومواطنيها: بين الأمن والانفتاح، بين حماية الهوية وعدم خنق المجتمع، وبين قوة الدولة وثقة الناس بها.

المصادر والمراجع: معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري؛ الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments