هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة
28 أكتوبر 2026
في تقرير بعنوان «التدفقات المالية غير المشروعة في المنطقة العربية»، أصدرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا» عام 2018، كشفت اللجنة أن التلاعب بالفواتير التجارية النفطية وغير النفطية في الاقتصادات العربية بلغ متوسطه نحو 77.5 مليار دولار سنويًا خلال الفترة 2008–2015. وبعملية حسابية افتراضية، فإن استمرار هذا المتوسط طوال ثماني عشرة سنة، من 2008 إلى 2025، ينتج نحو 1.395 تريليون دولار، أي ما يقارب 1.4 تريليون دولار.
وهذا الرقم ليس حصيلة أممية مثبتة للأموال المنهوبة خلال السنوات الثماني عشرة، بل إسقاط حسابي يستند إلى متوسط تاريخي موثق. كما أن التلاعب بالفواتير يشمل تدفقات إلى المنطقة وخارجها، وليس كله اختلاسًا أو أموالًا أودعت في الغرب. غير أن ضخامة الرقم تكشف حجم المخاطر التي تتعرض لها الموارد الاقتصادية العربية.
وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن حجم الأموال: كيف تتحرك هذه المبالغ عبر النظام المصرفي الدولي، وأين تقع مسؤولية المؤسسات التي تستقبلها، وهل كانت أجهزة الاستخبارات الغربية تملك معلومات عن بعض الشبكات المالية المشبوهة قبل انكشافها؟
كيف وصلنا إلى الرقم؟
أوضحت الإسكوا أن اختلالات الفواتير التجارية غير النفطية بلغت نحو 482.7 مليار دولار خلال السنوات الثماني من 2008 إلى 2015، بمتوسط 60.3 مليار دولار سنويًا. وعند إضافة التجارة النفطية، يرتفع الإجمالي التقديري إلى نحو 620 مليار دولار، بمتوسط 77.5 مليار دولار سنويًا.
وضرب المتوسط الأخير في 18 سنة يعطي 1.395 تريليون دولار. لكن إثبات خسارة فعلية بهذا الحجم يتطلب بيانات مستقلة للأعوام 2016–2025، وتصحيح الفروقات التجارية التي لا تنشأ عن جرائم، وتحديد اتجاه الأموال ومصادرها.
والتقرير لا يتحدث عن خزائن الحكام وحدها، بل عن أساليب مالية تشمل تضخيم قيم الواردات، وتخفيض قيم الصادرات، والتحايل على الضرائب والرسوم، وتحريك الأموال عبر الحدود تحت غطاء التجارة المشروعة.
الوثيقة الأمريكية التي كشفت علاقة الاستخبارات بالمصارف
في ديسمبر 1992، أصدر مجلس الشيوخ الأمريكي تقريرًا بعنوان «قضية بنك الاعتماد والتجارة الدولي BCCI»، أعده السيناتوران جون كيري وهانك براون.
كشف التحقيق عن شبكة مصرفية دولية تورطت في غسل الأموال والاحتيال والرشوة وإخفاء الملكية الحقيقية لمؤسسات مصرفية.
لكن الجانب الأكثر أهمية كان علاقة البنك بالمخابرات المركزية الأمريكية CIA.
أثبت التقرير أن المخابرات الأمريكية كانت تملك منذ الثمانينيات معلومات عن أنشطة مشبوهة للبنك، بما فيها سيطرته السرية على مصرف أمريكي، وأن هذه المعلومات لم تُنقل بالقدر المطلوب إلى الجهات الرقابية المختصة. كما تناول استخدام البنك في أنشطة استخباراتية.
ولم يثبت التحقيق وجود قرار شامل من الحكومة الأمريكية لحماية جميع جرائم البنك، لكنه كشف فشلًا مؤسسيًا في التعامل مع المعلومات المتاحة.
وهنا تكمن دلالة القضية: معرفة جهاز استخباراتي بمعلومات مالية خطيرة لا تعني بالضرورة استخدامها لمنع الجريمة أو تمكين السلطات الرقابية من التحقيق فيها.
من كان يراقب أموال الحكام العرب؟
تلزم المعايير الدولية الصادرة عن مجموعة العمل المالي FATF المؤسسات المصرفية بتطبيق إجراءات رقابية إضافية على أموال الشخصيات السياسية البارزة وأسرها والمقربين منها، بما في ذلك التحقق من مصادر الثروات والأموال.
وهذا يعني أن النظام المصرفي العالمي يفترض أن يمتلك وسائل لاكتشاف المخاطر المرتبطة بتحويلات المسؤولين السياسيين، حتى أثناء بقائهم في السلطة.
لكن السؤال الذي يستحق التحقيق هو: لماذا تظهر أحيانًا إجراءات التجميد الواسعة بعد سقوط الأنظمة، رغم أن الأموال كانت موجودة قبل ذلك بسنوات؟
قد تعود الأسباب إلى ضعف الرقابة أو التواطؤ أو نقص الأدلة أو تغير إمكانية التعاون القضائي. أما القول إن أجهزة استخبارات بعينها سمحت عمدًا بتهريب الأموال لاستخدامها سياسيًا، فيحتاج إلى وثائق مستقلة تثبت ذلك.
مصر: الأموال التي بقيت مجمدة أحد عشر عامًا
بعد سقوط نظام حسني مبارك عام 2011، جمدت سويسرا نحو 600 مليون فرنك مرتبطة بمسؤولين ومقربين من النظام السابق.
وفي أبريل 2022 أعلنت النيابة العامة السويسرية إنهاء التحقيقات المتعلقة بالأموال المتبقية، لعدم كفاية الأدلة التي تبرر المصادرة، والإفراج عن نحو 400 مليون فرنك، بعدما كانت قد حولت 32 مليون فرنك إلى مصر عام 2018.
تثير هذه القضية سؤالًا اقتصاديًا وقانونيًا: كيف تستطيع دولة تجميد أموال ضخمة بسرعة، ثم تعجز التحقيقات بعد سنوات عن إثبات استحقاق الدولة الأصلية لها؟
والتجميد هنا لم يكن مصادرة نهائية، كما أن الإفراج عن الأموال لا يثبت بذاته مشروعية جميع مصادرها، وإنما يعكس نتيجة الإجراءات القضائية السويسرية.
تونس: عندما أمكن استرداد الأموال
في أبريل 2013، استعادت تونس 28.8 مليون دولار من حساب مصرفي في لبنان مرتبط بزوجة الرئيس السابق زين العابدين بن علي، بعد تعاون قضائي ودبلوماسي شاركت فيه جهات عربية ودولية.
وتثبت هذه الحالة إمكانية استرداد الأموال عندما تتوافر الأدلة والإجراءات القانونية، لكنها تكشف كذلك صعوبة تتبع الثروات المخفية خلف الحسابات والشركات والواجهات المالية.
هل تصبح الأموال غنيمة للدول المستقبلة؟
لا يمنح القانون الدولي الدول الغربية حق الاستيلاء على أموال الشعوب العربية باعتبارها غنائم. بل تجعل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد استرداد الموجودات مبدأ أساسيًا، وتنظم إعادتها وفق شروط قانونية.
لكن الدول التي توجد الأموال في نطاق اختصاصها تملك سلطات التجميد والتحقيق والمصادرة، وتختلف قوانينها بشأن التصرف في الأموال المصادرة نهائيًا.
ومن هنا تنشأ قوة قانونية ومالية للدول المستقبلة، خصوصًا عندما تفتقر الدول الأصلية إلى الأدلة والقدرات القضائية اللازمة للمطالبة بحقوقها.
كيف يحمي العرب ثرواتهم؟
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمجرد المطالبة باستعادة الأموال، بل بإنشاء منظومة عربية مشتركة للتحقيق المالي، وكشف المالكين الحقيقيين للشركات، ومراجعة الفواتير التجارية، وتبادل المعلومات مع السلطات المصرفية والقضائية الدولية.
كما ينبغي إنشاء سجل عربي معلن يوضح الأموال المطالب باستردادها، والمجمدة، والمصادرة، والمستردة بالفعل، حتى لا تختلط التقديرات بالحقائق.
لقد كشف تقرير الإسكوا عن حجم كبير من الاختلالات المالية المرتبطة بالتجارة العربية، وكشفت فضيحة BCCI أن العلاقة بين المؤسسات المصرفية والعمل الاستخباراتي قد تتداخل بصورة خطيرة.
لكن الأمر الذي لم تثبته هذه الوثائق هو أن الاستخبارات الغربية تدير منظومة عامة لنهب الأموال العربية. وهذا تحديدًا ما يحتاج إلى تحقيق مستقل، لا إلى افتراض مسبق.
ويبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أي دراسة عربية جادة: من استولى على المال؟ ومن ساعد على إخفائه؟ ومن كان يعرف؟ ومن أخفق في منع الجريمة؟ ومن يحتفظ اليوم بالوثائق التي تسمح باسترداده؟
فالأموال التي تخرج من الاقتصاد العربي لا تضيع دائمًا دون أثر، لكن استعادتها تتطلب مؤسسات تعرف كيف تتبع هذا الأثر، وتثبت الحقوق، وتواجه شبكات الفساد داخل الحدود وخارجها.
المصادر والمراجع: الإسكوا، «التدفقات المالية غير المشروعة في المنطقة العربية» 2018، وتقريرها السنوي 2018؛ مجلس الشيوخ الأمريكي، تحقيق BCCI لعام 1992؛ مجموعة العمل المالي FATF، التوصية 12؛ البنك الدولي ومبادرة StAR، ملف استرداد الأموال التونسية 2013؛ النيابة العامة السويسرية، بيان 13 أبريل 2022؛ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، المادتان 51 و57. بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment