وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 28 أكتوبر 2026
في السادس والعشرين من أكتوبر 2026، خرج وزير الصحة الأمريكي روبرت إف. كينيدي جونيور بتصريحات يهاجم فيها العرب والمسلمين، مدعياً أن نحو 500 مليون عربي لا ينتجون العلم ولا يفوزون بجوائز نوبل أو الجوائز العلمية الكبرى، ولا يقدمون إسهامات أدبية تستحق التقدير. وهي تصريحات لا تكشف فقط عن جهل بالإنجازات العربية، بل تطرح سؤالاً أكثر إحراجاً لصاحبها: ماذا لو وضعنا الولايات المتحدة الأمريكية، التي يتولى مسؤولية صحتها، في مواجهة دول مجلس التعاون الخليجي الست مجتمعة، وقارنا بينهما خلال نصف قرن من التنمية البشرية والصحية؟
إن المقارنة العلمية لا تقوم على عدد جوائز نوبل وحده، بل على ما حققته الدول لشعوبها من صحة وتعليم وعمر متوقع ومستوى معيشة وأمن اجتماعي. فالحضارة ليست متحفاً للجوائز، وإنما قدرة المجتمع على تحويل ثرواته ومعارفه إلى حياة أفضل للإنسان.
قبل خمسين عاماً، كانت معظم دول الخليج في المراحل الأولى لبناء أنظمتها الصحية والتعليمية الحديثة. وكانت الولايات المتحدة تمتلك جامعات عريقة ومراكز بحثية ومستشفيات متقدمة، إضافة إلى قاعدة علمية وصناعية نشأت عبر قرون. أما الخليج فكان يبني مؤسساته وبنيته الأساسية الحديثة، وسط تحديات صحية وتعليمية وسكانية كبيرة.
واليوم تغيرت الصورة بصورة تستحق الدراسة.
وفق بيانات البنك الدولي لعام 2024، بلغ متوسط العمر المتوقع عند الولادة نحو 85 عاماً في الكويت، و83 عاماً في قطر والإمارات، و81 عاماً في البحرين، و80 عاماً في سلطنة عمان، و79 عاماً في السعودية، مقابل نحو 79 عاماً في الولايات المتحدة.
وعند التعامل مع دول الخليج الست باعتبارها وحدة سكانية واحدة، وحساب المتوسط المرجح بأعداد السكان، يصل العمر المتوقع إلى نحو 81 عاماً، أي أعلى من الولايات المتحدة بنحو عامين وفق الأرقام المنشورة والمقربة. وهذه نتيجة لافتة، خصوصاً عندما نتذكر الفارق التاريخي الهائل بين مستوى الخدمات الصحية في الطرفين قبل نصف قرن.
وهنا تظهر المفارقة: وزير الصحة الأمريكي ينتقد العرب باسم التقدم العلمي، بينما تُظهر بيانات العمر المتوقع أن سكان الخليج، مجتمعين، يتمتعون اليوم بمتوسط عمر أطول من سكان بلاده.
ولا يعني ذلك أن كل نظام صحي خليجي يتفوق على النظام الأمريكي في الأبحاث أو التكنولوجيا أو جميع معايير الرعاية الطبية. فالولايات المتحدة لا تزال قوة عالمية في البحوث الطبية والجامعات والصناعات الدوائية. لكن التفوق في إنتاج المعرفة ليس بالضرورة تفوقاً مماثلاً في إيصال فوائدها إلى المجتمع.
لقد استطاعت دول الخليج، خلال عقود قليلة، بناء شبكات واسعة من المستشفيات والمراكز الصحية، وتوسيع برامج التطعيم والرعاية الوقائية، وتحسين خدمات الأمومة والطفولة، وإنشاء أنظمة متقدمة للرعاية الطبية. وساهم الاستثمار الحكومي في تحويل الصحة من خدمة محدودة إلى قطاع أساسي من قطاعات التنمية.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديات كبيرة ترتبط بتكاليف العلاج والتأمين الصحي، والفوارق الاجتماعية والصحية، والأمراض المزمنة، وصعوبة حصول بعض الفئات على الرعاية المطلوبة. وهي مشكلات لا تلغي تقدم الطب الأمريكي، لكنها تكشف الفارق بين القدرة العلمية والنتائج الاجتماعية.
وتتسع المقارنة عندما ننتقل من الصحة إلى التنمية البشرية. ففي تقرير التنمية البشرية لعام 2025 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، احتلت الإمارات المرتبة الخامسة عشرة عالمياً، متقدمة على الولايات المتحدة التي جاءت في المرتبة السابعة عشرة.
صحيح أن بقية دول الخليج لم تتقدم جميعها على الولايات المتحدة في المؤشر العام، لكن وصول دولة خليجية إلى هذه المرتبة يؤكد أن احتكار الغرب لقمة مؤشرات التنمية لم يعد حقيقة مطلقة. كما أن المقارنة بين الخليج وأمريكا يجب أن تميز بين مستوى التنمية الحالي وسرعة التحول التاريخي.
فالولايات المتحدة بنت قوتها العلمية والاقتصادية على امتداد قرون، بينما حققت دول الخليج قسطاً كبيراً من تحولها الحديث خلال عقود قليلة. وتلك نقطة جوهرية في قياس نجاح التجارب التنموية.
أما ادعاء كينيدي أن العرب لا يفوزون بجوائز نوبل، فيكفي لدحضه ذكر العالم المصري أحمد زويل الحاصل على نوبل الكيمياء عام 1999، والأديب نجيب محفوظ الحاصل على نوبل الأدب عام 1988، ومحمد البرادعي الحاصل على نوبل السلام عام 2005، واليمنية توكل كرمان عام 2011، والعالم الأمريكي من أصل فلسطيني عمر ياغي الحاصل على نوبل الكيمياء عام 2025.
وهذه ليست آراء سياسية، وإنما حقائق مثبتة في سجلات الجوائز العالمية. كما أن الخلط بين العرب والمسلمين خطأ أساسي، فالعرب ليسوا جميعاً مسلمين، وأكثرية المسلمين في العالم ليست عربية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن تقودنا هذه المقارنة إلى تجاهل أوجه القصور الخليجية. فالإنجاز في الصحة والبنية الأساسية والخدمات لا يعني اكتمال المشروع الحضاري. ولا تزال دول الخليج بحاجة إلى زيادة إنتاجها البحثي الأصيل، وتعميق استقلالها التكنولوجي، وتوسيع مساهمة مواطنيها في الابتكار والصناعة العلمية.
إن امتلاك أفضل المستشفيات لا يغني عن امتلاك مختبرات تنتج الدواء، كما أن امتلاك الجامعات الحديثة لا يكفي ما لم تتحول إلى مراكز للاكتشاف وصناعة المعرفة. وتلك هي المرحلة التالية التي ينبغي أن تقاس بها نهضة الخليج.
لكن هذه التحديات لا تمنح وزيراً أمريكياً الحق في إنكار إنجازات مئات الملايين من البشر، ولا تسمح بتحويل جوائز علمية إلى مقياس عنصري أو ديني لتقييم الأمم.
والأهم أن المقارنة تكشف حقيقة اقتصادية عميقة: ليست الدولة الأكثر ثراءً أو إنفاقاً أو إنتاجاً علمياً هي بالضرورة الأفضل في جميع نتائج التنمية الاجتماعية. بل تتحدد جودة التنمية بقدرة المؤسسات على تحويل الموارد إلى منفعة مستدامة للإنسان.
وقد أثبتت التجربة الخليجية أن الثروة الطبيعية، عندما تقترن بالاستثمار طويل الأجل في الإنسان والبنية الأساسية، تستطيع إحداث تحول اجتماعي وصحي واسع خلال فترة تاريخية قصيرة.
وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى كينيدي نفسه: كيف استطاعت مجموعة من الدول التي كانت قبل نصف قرن في بداية تأسيس مؤسساتها الحديثة أن تصل إلى متوسط عمر متوقع يفوق الولايات المتحدة، رغم ما تملكه أمريكا من ثروة علمية هائلة؟
هذا سؤال يستحق دراسة من وزير الصحة الأمريكي أكثر من إطلاق أحكام عامة عن شعوب بأكملها.
إن جوائز نوبل تكافئ إنجازات استثنائية لأفراد، أما تقدم المجتمعات فيقاس كذلك بحياة الملايين. وبين المعيارين فرق لا يجوز تجاهله.
لقد تقدم الخليج تقدماً صحياً وتنموياً كبيراً، وما زالت أمامه مسافة طويلة في البحث العلمي والابتكار. أما الدرس الأهم الذي تقدمه هذه المقارنة فهو أن الحضارة لا تقاس فقط بما يكتشفه علماؤها، بل أيضاً بما ينعكس من ذلك على صحة الناس وكرامتهم ومستقبل أجيالهم.
المصادر والمراجع: البنك الدولي، مؤشرات التنمية العالمية وبيانات العمر المتوقع والسكان لعام 2024؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية البشرية 2025؛ وكالة رويترز، 27 أكتوبر 2026؛ وكالة أسوشيتد برس، 27 أكتوبر 2026؛ مؤسسة نوبل، سجلات الفائزين. بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment