حين تضرب القوة الناعمة نفسها… وتُضعِف دول الخليج: كيف تُعاد توجيهها نحو الخصم

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق
الدوحة – 11 أبريل 2026

القوة الناعمة هي القدرة على التأثير في الآخرين دون إكراه أو قوة عسكرية؛ عبر الاقتصاد، والإعلام، والثقافة، والدبلوماسية، وصناعة الصورة الذهنية. هي أن تغيّر قرار خصمك أو سلوك مجتمع ما… دون أن ترفع صوتك أو سلاحك.

وهنا يغيب عن كثير من التحليل عنصر بالغ الأهمية في الخليج، وهو القوة الناعمة الدينية والأخلاقية. فالقوة الناعمة ليست إعلامًا واقتصادًا فقط، بل هي أيضًا صدق الخطاب، وعدالة الموقف، وانسجام السلوك مع القيم التي تُرفع. الخليج لا يمتلك المال والنفوذ فقط، بل يمتلك رصيدًا دينيًا وأخلاقيًا عميقًا، يتجلى في رمزية مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي طبيعة مجتمعاته. وهذه القوة، إن حُفظت، صنعت احترامًا يتجاوز السياسة… وإن فُقدت، سقطت كل أدوات التأثير الأخرى مهما بلغت قوتها.

لكن الحقيقة التي يجب قولها بوضوح:
لقد استخدمت دول الخليج هذه القوة أحيانًا ضد بعضها البعض—في الإعلام، وفي الاقتصاد، وفي تشكيل الرأي العام—فنتج عن ذلك خلافات، ومقاطعات، وتباعد في المواقف. وهنا لم نخسر جولة إعلامية فقط، بل خسرنا رصيد الثقة الجماعي.

هذه الحالة لا تُضعف دولة بعينها، بل تُضعف الخليج كمنظومة، وتفتح المجال لقوى إقليمية—مثل إيران—لتملأ الفراغ وتستثمر في التباينات. فحين تتضارب الرسائل، يضيع المتلقي، وحين تتشقق الصورة، يسهل اختراقها.

المشكلة ليست في الأدوات، بل في اتجاه استخدامها. الإعلام الذي يفترض أن يبني صورة مشتركة، يتحول إلى ساحة تنافس. والاستثمار الذي يُفترض أن يخلق تكاملًا، يتحول إلى مزاحمة. والدبلوماسية التي يفترض أن توحّد الموقف، تصبح مسارات متوازية لا تلتقي.

الحل يبدأ من قاعدة بسيطة لكنها حاسمة: لا تُوجَّه القوة الناعمة إلى الداخل. أي خلاف يُدار بهدوء خلف الأبواب، لا على الشاشات. لأن أول ما يتآكل في الصراع الداخلي هو المصداقية، وأول من يستفيد هو الخصم.

ثم يأتي بناء إطار تنسيقي فعّال تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، يضبط الإيقاع ويوحّد الرسائل ويمنع التضارب. ليس الهدف توحيد القرار السياسي بالكامل، بل توحيد الأثر.

كما أن توزيع الأدوار بين الدول—بدل التنافس على نفس المساحات—يحوّل الجهود من تكرار متفرق إلى قوة مركّزة. وعندها فقط يمكن بناء رواية خليجية واحدة قائمة على الاستقرار والنمو، بدل التناقض والتشويش.

تاسعًا: الأخلاق كخط الدفاع الأول للقوة الناعمة
لا تقوم القوة الناعمة في الخليج على المال والإعلام فقط، بل على تماسك القيم وحضور الضابط الأخلاقي في الفضاء العام. فالمجتمعات التي تفقد بوصلتها الأخلاقية، تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير والاحترام. وما قد يُعد مباحًا في بعض الدول لا يلزم أن يتحول إلى سمة اجتماعية مُعلنة أو مادة للترويج في مجتمعات لها خصوصيتها الثقافية والدينية. الحكمة هنا ليست في الصدام، بل في الستر وضبط الإيقاع العام بما يحفظ هوية المجتمع ويمنع تحويل الاستثناء إلى قاعدة. لأن التوازن الأخلاقي ليس قيدًا على القوة الناعمة… بل هو ما يمنحها مصداقيتها واستمرارها.

أما في مواجهة إيران أو غيرها، فالقوة الناعمة لا تُستخدم بالصدام المباشر، بل عبر تفريغ النفوذ بهدوء: دعم استقرار الدول، الاستثمار في الإنسان، وتقديم نموذج أكثر جاذبية. فالناس تميل حيث الفرص، لا حيث الشعارات.

لكن القاعدة الأعمق تبقى في الداخل: إذا لم تتماسك الجبهة الداخلية، فلن تنجح أي استراتيجية خارجية. لأن الاختراق يبدأ من الشقوق الصغيرة، لا من الأبواب الكبيرة.

الخلاصة
حين تُوجَّه القوة الناعمة للداخل… تتحول إلى أداة هدم.
وحين تُوجَّه للخارج بذكاء… تصبح أداة بناء ونفوذ.

الخليج لا تنقصه القوة… بل يحتاج إلى توحيد اتجاهها.
فإما أن تكون قوة تصنع الإقليم…
أو قوة تُستنزف داخله.

المصادر والمراجع: جوزيف ناي، الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة، جامعة هارفارد؛ الأمانة العامة لمجلس التعاون، السوق الخليجية المشتركة

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث و الصياغه

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟