فاتورة هرمز حتى عام 2030 والأنابيب التي لم تُبنَ
فاتورة هرمز حتى عام 2030: مئات المليارات المهددة والأنابيب الخليجية التي لم تُبنَ
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 9 أكتوبر 2026
لم يعد السؤال الاقتصادي الذي يواجه دول الخليج هو متى يُفتح مضيق هرمز، بل كم ستخسر إذا استمر مغلقًا أو يعمل بأقل من طاقته الطبيعية حتى عام 2030؟ وكم كان يمكن توفيره لو استثمرت منذ سنوات في إنشاء خطوط أنابيب ومنافذ تصدير مستقلة عن المضيق؟
كشفت أزمة عام 2026 خللًا استراتيجيًا في اقتصادات الخليج. فالدول التي تمتلك بعض أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وتنفق المليارات لتوسيع الإنتاج، لا تمتلك جميعها طرقًا بديلة تكفل إيصال صادراتها إلى الأسواق. وهكذا أصبحت القدرة على الإنتاج أكبر من القدرة المضمونة على التصدير.
وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، مر عبر هرمز عام 2024 نحو 20.7 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية، أي ما يعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. وظلت التدفقات في نطاق مرتفع خلال عام 2025، وشكلت الصادرات الخليجية الجزء الأكبر منها، إلى جانب صادرات العراق وإيران.
وعند استخدام سعر مرجعي قدره 69 دولارًا للبرميل، فإن صادرات خليجية تعادل 13.8 مليون برميل يوميًا تساوي حسابيًا نحو 348 مليار دولار سنويًا. وإذا أضفنا قيمة تقريبية قدرها خمسون مليار دولار لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطري قبل الأزمة، أصبحنا أمام ما يقارب 400 مليار دولار سنويًا من الصادرات المعرضة لمخاطر الملاحة، دون احتساب سلع خليجية أخرى. وهذه قيم مرجعية، وليست إيرادات حكومية صافية.
فإذا استمر الاضطراب من بداية 2027 إلى نهاية 2030، وتعطلت عشرة بالمائة من هذه الصادرات، بلغت قيمة الشحنات غير المنفذة نحو 160 مليار دولار خلال أربع سنوات. وترتفع إلى 400 مليار إذا بلغ التعطل 25 بالمائة، وإلى 640 مليار دولار إذا بلغ 40 بالمائة. ولا تعني هذه السيناريوهات أن الخسارة المالية النهائية ستساوي تلك المبالغ؛ فقد ترتفع الأسعار لتعوض جزءًا من انخفاض الكميات، بينما تزيد تكاليف التأمين والنقل والإصلاح.
وتتجاوز الآثار حجم الإيرادات المفقودة في سنة واحدة. فتوقف الشحنات قد يضغط على الإنفاق العام، والسيولة المتاحة للاستثمار، وسلاسل الإمداد المحلية، ويزيد كلفة الاقتراض والتأمين. كما أن الأسواق المستوردة قد تعيد ترتيب عقودها ومصادرها تدريجيًا، فلا تعود جميع الطلبات تلقائيًا بمجرد فتح المضيق. لذلك فإن حساب الخسائر يجب أن يتناول أثرها التراكمي في الاقتصاد، لا قيمة النفط والغاز وحدها.
أما قطر، فقد أصبحت خسائرها أكثر من احتمال نظري. وقدرت رويترز في أغسطس 2026 قيمة مبيعات الغاز القطري المفقودة خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب بنحو 24 مليار دولار، مع هبوط حاد في عدد الشحنات مقارنة بالفترة المماثلة من العام السابق. وهذه تقديرات صحفية تستوجب مطابقتها مع البيانات الرسمية عند حساب الخسارة النهائية.
ولأن قطر بنت مكانتها في سوق الغاز على انتظام الإمدادات والالتزام بالعقود، فإن أثر الأزمة لا ينتهي عند الشحنة المتأخرة. فقد تضطر إلى شراء شحنات بديلة للمحافظة على العملاء، وتتحمل تكاليف إضافية، وتواجه خطر انتقال المشترين إلى موردين آخرين. كما أن تضرر بعض مرافق التسييل في رأس لفان يجعل إصلاح الإنتاج مشكلة مستقلة عن إعادة فتح الطريق البحري.
هنا يبرز سؤال تأخرنا في طرحه: لماذا لم تنشئ دول مجلس التعاون، قبل الأزمة، شبكة أنابيب متكاملة تصل الحقول النفطية إلى موانئ خارج هرمز، وخصوصًا على بحر العرب والمحيط الهندي؟ ولماذا بقيت مشاريع التصدير المشتركة أقل من حجم الثروة المطلوب حمايتها؟
في أبريل 2026 عرضت رويترز مقترحًا بحثيًا للباحث غابرييل كولينز من معهد بيكر بجامعة رايس، يتضمن خطين لنقل النفط بطاقة إجمالية تبلغ عشرة ملايين برميل يوميًا، يصلان إلى مينائي الدقم وصلالة في سلطنة عُمان. وقدرت تكلفتهما بنحو 55 مليار دولار، تشمل الأنابيب ومحطات الضخ والموانئ والحماية والاحتياطيات. وهذا تقدير أولي لمشروع مقترح، وليس تكلفة تنفيذ معتمدة.
فلنقارن التكلفة بقيمة ما يمكن حمايته. لو كانت شبكة كهذه موجودة قبل الأزمة، وأنقذت تصدير مليون برميل يوميًا كان سيتعطل، لبلغت القيمة المرجعية لتلك الصادرات نحو 25 مليار دولار سنويًا، أي مائة مليار دولار خلال أربع سنوات. ولو أنقذت مليوني برميل يوميًا لتضاعفت القيمة إلى نحو مائتي مليار دولار. ليست هذه أرباحًا صافية؛ فهناك تكاليف إنشاء وتشغيل وتمويل، لكن حجم الأموال الممكن حمايتها يفسر أهمية الاستثمار الوقائي.
وإذا قارنا 55 مليار دولار بقيمة صادرات قد يتعطل جزء منها سنويًا، تتضح الفجوة بين حسابات الجدوى التقليدية وحسابات الأمن الاقتصادي. لكن المقارنة لا تعني أن الخطوط تستطيع استيعاب كل الصادرات، أو أن كل برميل يمر فيها كان سيضيع حتمًا؛ فالنتيجة تتوقف على الطاقة المتاحة، ومواقع الحقول، والطلب، وقدرة الموانئ الجديدة على استقبال الناقلات.
السعودية سبق أن أنشأت خط الشرق والغرب إلى ينبع، والإمارات أنشأت خط حبشان–الفجيرة، بينما بقيت الكويت وقطر والبحرين أشد ارتباطًا بالمضيق. وهذه المشاريع تثبت إمكانية تخفيف الاعتماد عليه، وإن كانت الخطوط والموانئ البديلة نفسها تحتاج إلى حماية من الهجمات والتعطل.
أما الغاز القطري فمشكلته أعقد من النفط؛ إذ يحتاج إلى أنابيب تنقل الغاز في حالته الغازية إلى مرافق تسييل جديدة خارج هرمز، قبل شحنه بحرًا. وقد عبّر وزير الدولة لشؤون الطاقة عن تحفظات فنية وتجارية على تكرار منشآت التسييل. لكن هذا يفتح نقاشًا ضروريًا: هل يجب تقييم المنفذ البديل على أساس أرباحه في الظروف الطبيعية وحدها، أم على أساس ما يوفره من حماية للثروة والعقود عند وقوع الحروب؟
كما يمكن دراسة نقل جزء من الغاز إلى عُمان عبر شبكات برية، سواء لخدمة السوق الإقليمية أو تغذية مرافق تسييل إضافية، إلى جانب إمكان استخدام الغاز المضغوط في نطاقات تجارية محدودة إذا أثبتت الدراسات جدواه. لكن الغاز المضغوط ليس بديلًا جاهزًا للغاز المسال على مستوى صادرات قطر الضخمة، ولا يجوز تقديمه بوصفه حلًا شاملًا دون حسابات للسعات والمسافات وتكاليف السفن.
فالدول تحتفظ باحتياطيات مالية، وتستثمر في الدفاع والتأمين، رغم أن جزءًا كبيرًا من هذه النفقات لا يحقق دخلًا مباشرًا. فلماذا لا تُحتسب منافذ التصدير البديلة ضمن أدوات حماية الاقتصاد الوطني؟ وقد يكون تشغيلها أعلى تكلفة في سنوات السلم، لكنه يحد من توقف الإيرادات عندما تتعرض الملاحة للخطر.
ومع ذلك، ينبغي ألا نخلق وهم الحل السريع. فالمشاريع العابرة للحدود تحتاج إلى اتفاقيات سياسية وتمويلية وهندسية، وقد يستغرق إنجاز شبكة كبيرة سنوات. لذلك لن يكون خط جديد علاجًا فوريًا لأزمة 2026، لكنه قد يحمي اقتصادات المنطقة من تكرارها. ويجب أن تتعدد المنافذ، حتى لا يتحول الميناء الجديد أو الأنبوب الوحيد إلى نقطة اختناق جديدة.
والاستثمار المشترك يحتاج إلى اتفاق خليجي موحد يحدد حقوق العبور ورسوم النقل وحصص السعات والمسؤولية عن الأمن والتعويضات عند التعطل. فالتفاوض المنفرد بين الدول على كل مسار قد يؤخر المشاريع سنوات، بينما يسمح الإطار المشترك بتوزيع المنافع والتكاليف وتجنب تضارب المصالح. وتكتسب عُمان أهمية خاصة لأن سواحلها المفتوحة على بحر العرب توفر منافذ خارج عنق الزجاجة في هرمز.
إن استمرار اضطراب هرمز حتى عام 2030 ليس أمرًا محسومًا، بل سيناريو اقتصادي يجب الاستعداد له. ولهذا ينبغي أن تُكلَّف جهة خليجية مشتركة بدراسة كلفة عدم امتلاك البدائل، إلى جانب كلفة إنشائها، وأن تشمل الدراسة النفط والغاز والتخزين والموانئ والتأمين وحماية البنية التحتية.
لقد استثمر الخليج مئات المليارات لاستخراج الطاقة وتسييلها، بينما ظلت حماية طرق وصولها إلى الأسواق أقل من مستوى المخاطر. وإذا كان الإنتاج مصدر الثروة، فإن ضمان التصدير هو الضمان العملي لاستمرار العائد منها.
والسؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه دول الخليج اليوم ليس فقط كم تكلف الأنابيب البديلة، بل كم كلف غيابها بالفعل، وكم سيكلف تأجيلها حتى عام 2030 وما بعده. فالاستقلال في تصدير الثروة لا يقل أهمية عن امتلاك الثروة نفسها.
المصادر: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية؛ وكالة الطاقة الدولية؛ وكالة رويترز وتقاريرها عن صادرات الغاز القطري وأزمة هرمز لعام 2026؛ معهد بيكر بجامعة رايس؛ بيانات أرامكو وأدنوك؛ وتصريحات وزارة الطاقة القطرية. الأرقام المستقبلية سيناريوهات حسابية وليست توقعات مؤكدة.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment