أمريكا ذهبت ولن تعود: لماذا أصبحت الحرب الأمريكية الجديدة على إيران مغامرة يصعب احتمالها؟ — مدة القراءة: 6 دقائق
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة
29 أكتوبر 2026
لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية تواجه إيران وحدها، بل تواجه شرقًا أوسط تغيرت حساباته، وحلفاء أنهكتهم الحروب، وشعوبًا واقتصادات دفعت أثمانًا باهظة لسياسات واشنطن العسكرية. لقد أرادت أمريكا أن تجعل المنطقة ساحة مفتوحة لإدارة الصراعات، فإذا بها تجد نفسها داخل شبكة من المصالح والتناقضات التي ساهمت في صناعتها، ولم تعد قادرة على تفكيكها بسهولة. وهنا تحضر المقولة القديمة: من حفر حفرة لغيره وقع فيها.
لقد تغير المسرح الإقليمي الذي اعتادت الولايات المتحدة خوض حروبها فيه. فلم تعد المشكلة امتلاك الطائرات والصواريخ وحاملات الطائرات، بل القدرة على استخدام هذه القوة وتحمل نتائجها. فالحرب لا تُحسم بعدد القنابل التي تسقط، وإنما بالقدرة على الوصول إلى هدف سياسي، وتأمين خطوط الإمداد، وحماية الحلفاء، والسيطرة على تداعيات اليوم التالي.
والدليل الأبرز على التحول الإقليمي جاء في 26 أكتوبر 2026، عندما توجه وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ومعه ممثلون عن تركيا وباكستان ضمن اتفاق مكة للدفاع المشترك، إلى طهران لبحث خفض التصعيد وفتح قنوات التفاوض. لم تكن الزيارة إعلان تحالف مع إيران، بل تعبيرًا مهمًا عن رغبة قوى إقليمية في إدارة أمنها بالمفاوضات، بدل انتظار نتائج المواجهة الأمريكية الإيرانية.
وهذه نقطة التحول التاريخية. فالسعودية وتركيا وباكستان، بما تملكه من وزن اقتصادي وعسكري وسياسي، تستطيع أن تخلق مسارًا إقليميًا مستقلًا للتفاهمات الأمنية. وتأتي الوساطة القطرية والباكستانية لتؤكد أن المنطقة لم تعد مضطرة إلى حصر حلولها بين خيارين أمريكيين: الخضوع للشروط أو العودة إلى الحرب.
ومن الناحية اللوجستية، تستطيع أمريكا تنفيذ ضربات جديدة، لكنها تواجه صعوبة أكبر في خوض حرب مستدامة. فالعمليات الواسعة تحتاج إلى قواعد ومطارات وموانئ ومجالات جوية، وإمدادات متواصلة بالذخائر والوقود وقطع الغيار، وشبكة حماية للقوات والمنشآت المدنية. وكلما اتسعت الحرب، أصبحت القواعد الأمريكية نفسها أهدافًا محتملة، وتحولت الدول المضيفة إلى أطراف معرضة للأضرار حتى لو لم ترغب في المشاركة.
وهنا تكمن المعضلة الأمريكية: كيف تشن واشنطن حربًا لحماية مصالحها بينما قد يؤدي استمرارها إلى تعريض مصالح شركائها للخطر؟ وكيف تطلب من دول الخليج تحمل خسائر منشآتها النفطية وموانئها ومطاراتها وسياحتها واستثماراتها من أجل أهداف لا تتطابق بالضرورة مع أولوياتها الوطنية؟
والأرقام تكشف جانبًا من المأزق. فقد بلغت التكلفة التقديرية للحرب الأمريكية على إيران 47.1 مليار دولار حتى 16 أكتوبر 2026، وفق بيانات عسكرية أمريكية نقلتها وكالات الأنباء. وشملت نحو 29 مليار دولار لتعويض الذخائر المستهلكة، دون احتساب جميع الأضرار التي أصابت القواعد الأمريكية. وهذا يعني أن الحرب تستنزف الموارد العسكرية والمالية حتى قبل الدخول في مواجهة جديدة واسعة النطاق.
أما الاقتصاد العالمي، فلا يحتمل مغامرة أخرى بسهولة. فمضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان للطاقة والتجارة. وقد بقي خام برنت قرب 115 دولارًا للبرميل في 29 أكتوبر، رغم آمال التهدئة. وأي مواجهة جديدة قد تعيد تعطيل الملاحة والتأمين والشحن، وتضغط على التضخم والنمو العالمي، وترتد على المستهلك الأمريكي نفسه.
وهناك عامل أكثر خطورة لا يظهر في البيانات الرسمية، وهو تراكم الاستياء الإقليمي من الحروب الأمريكية. فقد تعرضت مصالح اقتصادية وتجارية وبنى تحتية لأضرار جسيمة، وتنامى السؤال المشروع: لماذا ينبغي أن تتحمل المنطقة تكاليف صراعات لا تملك قرار بدئها أو إنهائها؟
وقد يتحول هذا الاستياء إلى ما يمكن وصفه بالانتقام الاستراتيجي غير المباشر؛ ليس بالضرورة عبر عمليات عسكرية ضد أمريكا، وإنما من خلال تقليص الاعتماد الأمني عليها، وتنويع الشراكات، ورفض الانخراط في مغامرات جديدة، وبناء ترتيبات دفاعية واقتصادية تقلل قدرة واشنطن على توظيف المنطقة في صراعاتها. وهذا احتمال تحليلي، وليس دليلًا على وجود قرار خليجي جماعي بالانتقام.
أما إسرائيل، فقد دخلت معضلة سياسية إضافية بعد انتخابات 27 أكتوبر، التي لم تمنح معسكر نتنياهو أغلبية برلمانية واضحة. وتصبح قدرة أي حكومة على اتخاذ قرار حرب واسعة أكثر تعقيدًا في ظل مفاوضات تشكيل ائتلاف جديد. لكن التعقيد السياسي لا يمنع التصعيد تلقائيًا، فقد يستخدم بعض القادة الأزمات الخارجية لتعزيز مواقعهم الداخلية.
وإذا جمعنا هذه العناصر، نجد أن واشنطن تواجه مأزقًا متعدد الأبعاد: تكلفة عسكرية متصاعدة، وتحديات إمداد وحماية، ومخاطر اقتصادية عالمية، وحلفاء يسعون إلى خفض التصعيد، وإسرائيل تعيش حالة عدم يقين سياسي، وإيران لا تزال قادرة على تهديد الملاحة والمنشآت الإقليمية.
أما الهدوء النسبي في المواجهة الأمريكية الإيرانية المباشرة، فلا يجوز تفسيره على أنه هدوء تام في المنطقة؛ فالهجمات الحوثية والتوترات البحرية مستمرة، والتحشيد الأمريكي لم يتوقف. ومع ذلك، فإن النشاط الدبلوماسي المكثف يوضح حجم الرغبة الإقليمية في تجنب جولة جديدة من الدمار.
لقد كانت أمريكا في الماضي تستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نفوذ سياسي واسع. أما اليوم، فإن امتلاك القوة لم يعد يضمن الحصول على النتائج المطلوبة. فقد تستطيع تدمير منشآت إيرانية، لكنها لا تستطيع بالقنابل وحدها بناء نظام أمني مستقر أو ضمان موافقة دول المنطقة على تحمل تكاليف الحرب.
وهنا يتغير معنى عنوان هذا المقال: «أمريكا ذهبت ولن تعود». ليس المقصود اختفاء القوة الأمريكية أو انسحاب قواتها غدًا، بل احتمال أفول زمن كانت فيه واشنطن تملك وحدها مفاتيح الحرب والسلام في الخليج. وإذا نجحت التفاهمات الإقليمية الجديدة، فقد يصعب عليها استعادة ذلك الاحتكار.
لقد أرادت أمريكا أن تجعل الخليج بحاجة دائمة إلى حمايتها من الأخطار، لكنها قد تكون ساهمت، بسياساتها وحروبها، في دفع دوله إلى البحث عن أمن لا يتوقف على القرار الأمريكي.
والخلاصة أن أمريكا لا تزال قادرة عسكريًا على شن حرب جديدة، لكنها قد لا تكون قادرة سياسيًا واقتصاديًا واستراتيجيًا على تحمل نتائجها أو فرض نهايتها. وهذا هو الفارق بين امتلاك القدرة على إطلاق الحرب وامتلاك القدرة على الانتصار في السلام الذي يليها.
ربما لم تغادر أمريكا الشرق الأوسط بعد، لكن الشرق الأوسط بدأ يبحث جديًا عن طريق لا تمر جميع مفاتيحه عبر واشنطن.
المصادر والمراجع: وزارة الخارجية السعودية ووكالة الأنباء السعودية، 26 أكتوبر 2026؛ رويترز، 26 و27 و29 أكتوبر 2026؛ وكالة أسوشيتد برس، 28 أكتوبر 2026؛ مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أكتوبر 2026؛ رويترز، تحليل الانتخابات الإسرائيلية، 28 أكتوبر 2026. بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment