حين سقطت المظلّة ظهرت الخريطة
حين سقطت المظلّة ظهرت الخريطة
كيف كشفت ضربة البرنامج النووي الإيراني مشروع الهيمنة المؤجل على الخليج؟
تحليل سياسي واستراتيجي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 22 يوليو 2026
قبل الحرب، كانت إيران تحرص على إبقاء مطالبها في الخليج موزعة بين ملفات منفصلة، بحيث لا تظهر أمام دول المنطقة والعالم في صورة مشروع واحد متكامل. كانت تتحدث عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وعن الدفاع عن سيادتها، وعن خلافات حدودية وحقوق مزعومة في حقول الطاقة المشتركة، كما كانت تلوّح بين حين وآخر بإغلاق مضيق هرمز إذا مُنعت من تصدير نفطها.
لكنها لم تكن تطرح، بهذه الصراحة، منظومة تجمع بين السيطرة على المضيق، وفرض رسوم مالية على مرور السفن، والتدخل في صادرات النفط والغاز الخليجية، وتصعيد المطالب في مناطق الطاقة المشتركة، والتعامل مع الكويت والبحرين باعتبارهما جزءاً من ميدان المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة.
بعد الحرب تغيّرت اللغة الإيرانية. وحين تعرض البرنامج النووي للقصف والتدمير وفقدت طهران جزءاً مهماً من الورقة التي كانت تأمل أن تتحول إلى مظلة ردع تحميها، خرجت إلى العلن أدوات أخرى كان النظام الإيراني يفضل استخدامها تدريجياً وتحت غطاء أكثر غموضاً.
بدأت طهران تتحدث عن مضيق هرمز وكأنه ممر يخضع لسلطتها، لا ممر دولي تعتمد عليه عدة دول والتجارة العالمية. ظهرت فكرة تنظيم العبور وفرض الرسوم والشروط على السفن، واتسعت المطالب الاقتصادية المرتبطة بالطاقة، كما تصاعدت التهديدات ضد دول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أنشأت الحرب هذه الأطماع، أم أن تدمير البرنامج النووي كشف ما كان النظام الإيراني يريد فعله تحت حمايته؟
ما الذي كان البرنامج النووي سيحميه؟
اعتاد العالم مناقشة البرنامج النووي الإيراني من زاوية واحدة: هل كانت إيران تريد إنتاج قنبلة نووية، وهل كانت ستستخدمها فعلاً؟
لكن هذا السؤال لا يكشف الوظيفة السياسية الأهم للسلاح النووي. فالدولة لا تحتاج بالضرورة إلى تفجير القنبلة حتى تستفيد منها. يكفي أن تمتلكها، أو تقترب كثيراً من إنتاجها، لكي تجعل خصومها يترددون في مواجهتها ويحسبون نتائج أي تصعيد معها.
القوة النووية لا تستخدم فقط لتدمير المدن؛ بل قد تتحول إلى مظلة تحمي الحروب الصغيرة، والضغوط الاقتصادية، والعمليات العسكرية المحدودة، والتوسع السياسي الذي يجري تحت مستوى المواجهة النووية الشاملة.
ومن هذه الزاوية، لم يكن البرنامج النووي الإيراني مشروعاً منفصلاً عن الصواريخ والمسيّرات والقوات المرتبطة بإيران في المنطقة. كان يمكن أن يصبح الضامن النهائي لهذه الأدوات كلها.
الصواريخ تمنح إيران القدرة على ضرب منشآت النفط والموانئ والقواعد العسكرية. والمسيّرات الرخيصة تربك الدفاعات وترفع تكلفة الحماية. والقوات المرتبطة بها في العراق ولبنان واليمن تمنحها نفوذاً خارج حدودها. أما مضيق هرمز، فيمنحها القدرة على الضغط على صادرات الطاقة والتجارة الدولية.
وكان الردع النووي سيحمي هذه المنظومة من الرد الحاسم.
فلو أصبحت إيران دولة نووية، لأصبح تدمير منصاتها، أو منعها من فرض شروطها في المضيق، أو تفكيك نفوذها الإقليمي أكثر خطورة على خصومها. وستستطيع طهران عندئذ أن تتوسع بالأدوات التقليدية، وهي واثقة من أن العالم سيخشى دفع المواجهة إلى المستوى النووي.
السؤال الصحيح، إذاً، ليس: هل كانت إيران ستلقي قنبلة نووية على إحدى دول الخليج؟ بل: ماذا كانت إيران ستفعل في الخليج وهي محمية بقنبلة لا تحتاج إلى استخدامها؟
من تهديد المضيق إلى محاولة امتلاكه
قبل الحرب، كان التهديد الإيراني لمضيق هرمز يقدم عادةً باعتباره رداً على العقوبات أو على محاولة منع تصدير النفط الإيراني. وكان الخطاب يقوم على معادلة بسيطة: إذا لم تستطع إيران تصدير نفطها فلن تسمح للآخرين بالتصدير.
هذا التهديد كان خطيراً، لكنه ظل مرتبطاً بظروف الحرب والحصار.
أما الخطاب الذي ظهر لاحقاً، فقد تجاوز فكرة الإغلاق المؤقت إلى محاولة تكريس سلطة إيرانية على المضيق نفسه. فالتحدث عن فرض رسوم على السفن، أو تنظيم المرور، أو منح الأذونات، يعني أن إيران لم تعد تنظر إلى المضيق كسلاح تستخدمه عند الضرورة، بل كأصل استراتيجي يمنحها سلطة دائمة على اقتصادات دول الخليج.
وهنا يظهر الفرق بين التعطيل والهيمنة.
إغلاق المضيق عمل عسكري مؤقت، أما فرض الرسوم والشروط على السفن فهو محاولة لإنشاء نظام جباية مستمر. وعندما تتمكن إيران من الحصول على المال مقابل السماح لنفط دول الخليج بالعبور، فإنها تصبح عملياً سلطة فوق صادرات تلك الدول.
لا تحتاج إيران في هذه الحالة إلى احتلال مدن الخليج بالدبابات. يكفيها أن تسيطر على البوابة التي تعبر منها ثرواتها، وأن ترفع تكاليف التأمين والنقل، وأن تهدد الناقلات والمنشآت، وأن تجعل استمرار التصدير مرتبطاً برضاها السياسي.
إنه شكل حديث من أشكال الاحتلال: السيطرة على الممر والقرار الاقتصادي بدلاً من السيطرة المباشرة على الأرض.
الطاقة المشتركة بوابة للمطالب المقبلة
لم تبدأ الخلافات الإيرانية حول حقول الطاقة بعد الحرب. فقد كانت طهران تطالب منذ سنوات بحقوق في بعض الحقول والمناطق البحرية المشتركة.
لكن الجديد ليس وجود المطالبة نفسها، بل انتقال الخطاب من نزاع محدد على حقل أو منطقة بحرية إلى لغة أوسع تربط الطاقة بالمضيق والمال والسيادة والنفوذ العسكري.
قبل الحرب، كان من الممكن التعامل مع كل نزاع باعتباره ملفاً فنياً أو حدودياً منفصلاً. لكن جمع المطالب المتعلقة بالحقول مع محاولة فرض الرسوم في هرمز وتهديد منشآت النفط والغاز يكشف أن الطاقة الخليجية كانت جزءاً أساسياً من حسابات القوة الإيرانية.
إيران تدرك أن نفوذ الخليج العالمي يأتي من الطاقة والموقع والممرات البحرية. ولذلك فإن السيطرة على قرار الطاقة، أو إرباك تدفقها، يمنح طهران قدرة على الضغط على دول الخليج وعلى الاقتصادات الغربية والآسيوية في الوقت نفسه.
وكانت المظلة النووية ستجعل مقاومة هذا الضغط أكثر صعوبة.
الكويت والبحرين واختبار السيادة
لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن إيران وضعت خطة معلنة لاحتلال الكويت أو البحرين عسكرياً. ولذلك يجب عدم عرض الاحتلال المباشر وكأنه واقعة ثابتة.
لكن التوسع لا يبدأ دائماً بدخول الدبابات.
حين تمنح إيران نفسها حق استهداف مواقع داخل الكويت أو البحرين بسبب وجود قوات أمريكية، فهي تتصرف وكأن قرارات الدولتين الأمنية ليست شأناً سيادياً خاصاً بهما، بل خاضعة لما تقبله طهران أو ترفضه.
الكويت والبحرين دولتان مستقلتان، ومن حقهما اختيار تحالفاتهما وترتيباتهما الدفاعية. لكن المنطق الإيراني يقول عملياً إن وجود قوات أو قواعد لا توافق عليها طهران يحول أراضيهما إلى أهداف مشروعة.
وهذا انتقاص مباشر من السيادة.
الدولة التوسعية لا تقول دائماً لجيرانها إنها ستحتلهم. قد تبدأ بفرض حدود على قراراتهم، ثم تعتبر تحالفاتهم تهديداً، وموانئهم أهدافاً، ومنشآتهم جزءاً من ساحة حربها، وتطالبهم بتغيير سياساتهم حتى لا يتعرضوا للعقاب.
وعندما تصل دولة إلى القدرة على تحديد ما يجوز لجيرانها فعله داخل أراضيهم، فإنها تكون قد بدأت الهيمنة عليهم، حتى إن لم ترفع علمها فوق عواصمهم.
لماذا انكشف المشروع بعد الضربة؟
كان البرنامج النووي يمنح إيران الأمل في الوصول إلى لحظة تستطيع فيها عرض مطالبها من موقع أقوى. كان من مصلحة طهران أن تؤجل كشف مشروعها كاملاً حتى تصبح قادرة على حمايته.
لكن القصف والتدمير اللذين أصابا منشآتها النووية سحبا من يدها جزءاً كبيراً من ورقة الردع المنتظرة، أو أخّرا اكتمالها على الأقل. وعندها اضطر النظام إلى استخدام أدواته الأخرى بصورة أسرع وأكثر صراحة.
خرج المضيق إلى مقدمة المواجهة. وتصاعدت تهديدات الطاقة. وظهرت مطالب الرسوم والجباية. واتسعت دائرة الدول التي تعاملت معها إيران باعتبارها جزءاً من ميدان الحرب.
وكأن طهران، بعد تراجع فرص اكتمال مظلتها النووية، بدأت تكشف ما كانت تنوي حمايته بتلك المظلة.
لا يثبت ذلك وجود وثيقة سرية مكتوبة تحدد خطة إيرانية لاحتلال الخليج. لكن السياسة لا تُفهم بالوثائق وحدها؛ بل بسلوك الدول وترابط أدواتها وتوقيت استخدامها.
وعندما نرى برنامجاً نووياً، وترسانة صاروخية، ومسيّرات، وقوات مرتبطة بها في عدة دول، ومطالب في الجزر والحقول، ومحاولة للتحكم في المضيق، فإننا لا نكون أمام ملفات منفصلة، بل أمام مشروع قوة إقليمي واحد.
النموذج الإسرائيلي في التفكير الإيراني
المقارنة مع إسرائيل لا تعني تطابق النظامين أو أهدافهما، لكنها تكشف منطقاً استراتيجياً مشتركاً.
إسرائيل تتمتع بتفوق عسكري وتكنولوجي كبير، وتحتمي بقدرة نووية غير معلنة ودعم أمريكي واسع. وقد منحها ذلك مساحة كبيرة للتحرك العسكري داخل المنطقة، لأن خصومها يدركون أن التصعيد معها قد يصل إلى نتائج يصعب التحكم فيها.
ويبدو أن إيران أرادت بناء معادلة مشابهة: قوة ردع نووية في الخلف، وحركة عسكرية وسياسية واسعة في الأمام.
كانت تريد استخدام الصواريخ والمسيّرات والقوات المرتبطة بها والمضيق لتحقيق النفوذ، ثم حماية هذه المكاسب بقوة نووية تجعل الآخرين يترددون في إزالتها.
وهكذا لا تكون القنبلة أداة حرب مباشرة، بل أداة لحماية التوسع التقليدي. فلا تُستخدم لضرب الخليج، وإنما لمنع الخليج والعالم من الرد على الضغوط الإيرانية بحسم.
حين سقطت المظلّة ظهرت الخريطة
لم ينهِ تدمير أجزاء من البرنامج النووي الخطر الإيراني. فما زالت إيران تملك الصواريخ والمسيّرات والقوات البحرية وشبكات النفوذ والقدرة على إعادة بناء بعض قدراتها.
لكن الحرب كشفت أن البرنامج النووي لم يكن متعلقاً بأمن إيران وحدها، بل بمستقبل ميزان القوة في الخليج كله.
فقبل الحرب، ظهرت الأدوات الإيرانية متفرقة: نزاع على حقل، وتهديد للمضيق، وصاروخ في جبهة بعيدة، وقوة مرتبطة بطهران في دولة عربية، ومطالبة مالية أو حدودية تقدم باعتبارها قضية منفصلة.
بعد الحرب، تجمعت الأجزاء وظهرت الصورة.
السيطرة على هرمز، والجباية من مرور الطاقة، والضغط على الحقول المشتركة، واستهداف أراضي الكويت والبحرين، ومحاولة فرض حدود على سيادة دول الخليج؛ لم تعد حوادث منفصلة، بل بدت أجزاء من مشروع كان يحتاج إلى مظلة نووية تحميه.
لم يكن البرنامج النووي الإيراني مجرد مشروع لإنتاج قنبلة، بل كان مشروعاً لإنتاج الحصانة: حصانة تسمح لطهران بأن تضغط وتتوسع وتفرض المطالب، وهي مطمئنة إلى أن خصومها سيخشون مواجهتها.
لقد تعرضت المنشآت النووية للقصف، لكن ما انكشف كان أكبر من المنشآت نفسها.
حين سقطت المظلّة، ظهرت الخريطة.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment