أحمد نسيم سوسة ورؤيته لليهودية والصهيونية في ضوء التاريخ والآثار
أحمد نسيم سوسة ورؤيته لليهودية والصهيونية في ضوء التاريخ والآثار
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 7 أغسطس 2026
يُعد الدكتور أحمد نسيم سوسة (1900–1982) من أبرز الباحثين العرب الذين كرسوا جانبًا كبيرًا من حياتهم لدراسة تاريخ اليهود وفلسطين والحركة الصهيونية. وُلد في مدينة الحلة بالعراق لأسرة من يهود العراق، ثم اعتنق الإسلام في مرحلة لاحقة من حياته، وأكمل مسيرته العلمية باحثًا ومهندسًا ومؤرخًا. درس الهندسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم واصل دراسته في الولايات المتحدة حتى حصل على الدكتوراه في الهندسة المدنية، وعاد إلى العراق ليشارك في مشاريع الري والسدود، ويصبح أحد كبار الخبراء في هذا المجال.
لكن شهرة أحمد سوسة لم تقتصر على الهندسة، بل امتدت إلى الدراسات التاريخية والحضارية. فقد ألّف عشرات الكتب التي تناولت تاريخ العراق والشرق الأدنى، وكان أبرزها كتاب «العرب واليهود في التاريخ»، وكتاب «أبحاث في اليهودية والصهيونية»، وكتاب «الصهيونية... مديات الافتراءات». وفي هذه المؤلفات حاول تقديم قراءة تاريخية للحركة الصهيونية اعتمادًا على المصادر القديمة والمكتشفات الأثرية وتحليل النصوص التاريخية.
يرى أحمد سوسة أن فهم القضية الفلسطينية يبدأ من فهم تاريخ المنطقة قبل آلاف السنين، ولذلك ركز على دراسة الحضارات التي تعاقبت على بلاد الشام، مثل الكنعانيين والآراميين والآشوريين والبابليين والمصريين والفرس واليونان والرومان، قبل ظهور الدولة العبرية وبعدها. ويؤكد أن فلسطين كانت عبر تاريخها ملتقى لحضارات متعددة، ولم تكن حكرًا على شعب واحد أو حضارة واحدة.
وفي كتابه «العرب واليهود في التاريخ» يحاول سوسة إعادة قراءة تاريخ فلسطين من خلال علم الآثار والوثائق القديمة، ويرى أن الكنعانيين كانوا من أقدم الشعوب التي استوطنت فلسطين، وأنهم أسسوا مدنها الكبرى قبل ظهور بني إسرائيل بقرون طويلة. كما يعتبر أن الحضارة الكنعانية تمثل الامتداد الأقدم لسكان البلاد، وأنها تركت آثارًا عمرانية وثقافية سبقت قيام الممالك العبرية.
ويعرض المؤلف تاريخ بني إسرائيل باعتباره جزءًا من تاريخ الشرق الأدنى القديم، ويرى أن وجودهم في فلسطين كان مرحلة تاريخية محددة، تعاقبت بعدها أمم وإمبراطوريات وشعوب كثيرة. ولذلك يؤكد أن تاريخ فلسطين لا يمكن اختزاله في تاريخ بني إسرائيل وحدهم، بل يجب النظر إليه ضمن تاريخ المنطقة بأكملها.
ويولي أحمد سوسة أهمية كبيرة للمكتشفات الأثرية، ويرى أنها تمثل وسيلة علمية لفهم الماضي، وأنها تساعد على التمييز بين الوقائع التاريخية والروايات التي تطورت عبر القرون. ولهذا اعتمد في كتبه على النقوش والرقم الطينية والمصادر اليونانية والرومانية والشرقية القديمة، بالإضافة إلى الدراسات الأثرية الحديثة في عصره.
أما في كتاب «أبحاث في اليهودية والصهيونية»، فيبدأ سوسة بالتمييز بين اليهودية والصهيونية. فهو يرى أن اليهودية ديانة سماوية عريقة نشأت قبل آلاف السنين، بينما الصهيونية حركة سياسية قومية حديثة ظهرت في أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر. ويؤكد أن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى سوء فهم تاريخ الحركة الصهيونية وأهدافها.
ويشرح أن الصهيونية، في نظره، جاءت استجابة لظروف أوروبا السياسية والاجتماعية، حيث تعرض اليهود في عدد من الدول الأوروبية للاضطهاد والتمييز، فظهرت دعوات لإقامة وطن قومي يجمعهم. ويعرض تطور هذه الفكرة حتى انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول بقيادة تيودور هرتزل، ثم انتقال المشروع إلى فلسطين بدعم سياسي ودبلوماسي من القوى الكبرى.
ويرى سوسة أن الفكر الصهيوني استعان بالتاريخ القديم لإضفاء شرعية على مشروعه السياسي، واستند إلى نصوص دينية وروايات تاريخية لتأكيد فكرة العودة إلى أرض الميعاد. ولذلك خصص جانبًا كبيرًا من كتابه لدراسة هذه النصوص وتحليلها في ضوء المصادر التاريخية والأثرية.
وفي كتاب «الصهيونية... مديات الافتراءات» يركز أحمد سوسة على نقد الأسس الفكرية التي قامت عليها الحركة الصهيونية. ويعرض عددًا من الروايات التي يرى أنها استخدمت لإقناع الرأي العام العالمي بعدالة المشروع الصهيوني، ثم يناقشها بالرجوع إلى التاريخ القديم والوثائق الأثرية.
ويرى أن كثيرًا من القضايا التي تطرحها الحركة الصهيونية تحتاج إلى مراجعة علمية دقيقة، وأن البحث التاريخي لا ينبغي أن يخضع للأهداف السياسية أو الأيديولوجية. ولهذا يؤكد ضرورة الاعتماد على الوثائق الأصلية والمكتشفات الأثرية، وعدم الاكتفاء بالروايات المتداولة دون تمحيص.
كما يركز سوسة على دراسة الهجرات القديمة إلى فلسطين، ويرى أن المنطقة شهدت حركة مستمرة للشعوب منذ آلاف السنين، وأنها كانت معبرًا للحضارات والإمبراطوريات. ومن هذا المنطلق يعتبر أن تاريخ فلسطين هو نتاج تفاعل حضاري طويل، شاركت فيه شعوب كثيرة عبر العصور.
ويخصص المؤلف مساحة واسعة للحديث عن العرب القدماء، ويرى أنهم كانوا جزءًا أصيلًا من تاريخ الشرق الأدنى، وأن وجودهم في المنطقة سبق الإسلام بقرون طويلة. كما يناقش العلاقة التاريخية بين القبائل العربية والشعوب السامية الأخرى، ويعتبر أن فهم هذه العلاقة يساعد على تفسير كثير من أحداث التاريخ القديم.
ومن السمات البارزة في منهج أحمد سوسة اعتماده على الجمع بين التاريخ والهندسة والآثار والجغرافيا. فقد كان ينظر إلى الأنهار والمدن والطرق القديمة باعتبارها أدلة تساعد في تفسير الأحداث التاريخية، وهو ما انعكس على أسلوبه في البحث، حيث حاول الربط بين النصوص التاريخية والواقع الجغرافي والمكتشفات الأثرية.
كما اتسمت مؤلفاته بكثرة الإحالات إلى المصادر القديمة، سواء العربية أو اليونانية أو الرومانية أو العبرية، إلى جانب نتائج الحفريات الأثرية التي كانت متوافرة في منتصف القرن العشرين. وكان هدفه بناء تصور تاريخي متكامل يعتمد على الوثيقة والأثر إلى جانب الرواية المكتوبة.
وخلاصة مشروع أحمد نسيم سوسة أن دراسة الصهيونية لا تنفصل عن دراسة تاريخ فلسطين والشرق الأدنى القديم. ولذلك سعى إلى تقديم قراءة تاريخية تعتمد على الآثار والوثائق لفهم نشأة الحركة الصهيونية وأسسها الفكرية، مع التركيز على التمييز بين اليهودية باعتبارها دينًا، والصهيونية باعتبارها حركة سياسية حديثة. ولهذا ما زالت مؤلفاته، وفي مقدمتها «العرب واليهود في التاريخ» و«أبحاث في اليهودية والصهيونية» و«الصهيونية... مديات الافتراءات»، من أشهر الكتب العربية التي تناولت هذا الموضوع، وتشكل جزءًا مهمًا من التراث الفكري العربي في دراسة تاريخ فلسطين واليهودية والصهيونية.
المصادر والمراجع: مكتبة قطر الوطنية، المصادر التاريخية؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment