استقلالية عُمان بين التوازن والتكامل الخليجي
عنوان: هل تحولت سياسة الاستقلال العُمانية من عنصر توازن إلى عائق أمام التكامل الخليجي؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 31 مايو 2026
منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي لم تكن سلطنة عُمان دولة هامشية في المشروع الخليجي، بل كانت أحد أركانه الأساسية. وقد تعاملت دول الخليج مع عُمان باعتبارها شريكاً استراتيجياً كاملاً في الأمن والتنمية والاستقرار، وقدمت لها على مدى عقود دعماً اقتصادياً وتنموياً كبيراً انطلاقاً من قناعة راسخة بأن قوة الخليج تكمن في تماسكه ووحدة مصالحه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زالت سياسة الاستقلال العُمانية تمثل عنصر توازن يخدم الخليج، أم أنها بدأت تتحول تدريجياً إلى عائق أمام بناء موقف اقتصادي وأمني خليجي موحد؟
لقد بنت مسقط سياستها الحديثة على مبدأ الاستقلالية وتجنب الاصطفافات الحادة. وكانت هذه السياسة مفهومة ومفيدة في مراحل كثيرة من تاريخ المنطقة، خصوصاً عندما كانت عُمان تؤدي أدوار الوساطة وتخفيف التوترات بين القوى المتصارعة.
غير أن الظروف التي تواجه الخليج اليوم تختلف جذرياً عن ظروف العقود الماضية. فالمنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكيل اقتصادي واستراتيجي واسعة النطاق، تشمل مشاريع ضخمة في النقل واللوجستيات والصناعة والطاقة وسلاسل الإمداد. وهي مشاريع تتطلب قدراً أكبر من التنسيق والاندماج وليس مزيداً من التباعد.
وفي الوقت الذي تتجه فيه دول الخليج إلى تعزيز الربط الاقتصادي وتوحيد المصالح الاستراتيجية، تبدو عُمان في بعض الملفات وكأنها تفضل الاحتفاظ بمسافة بينها وبين التوجهات الجماعية، سواء بحكم رؤيتها السياسية أو بحكم خصوصيتها الجغرافية والتاريخية.
ولا يمكن تجاهل أن جزءاً من النخبة العُمانية ما زال ينظر إلى السلطنة باعتبارها قوة بحرية مستقلة ذات امتداد تاريخي خاص يختلف عن بقية دول الخليج. وهذه النظرة مفهومة من زاوية التاريخ، لكنها تطرح سؤالاً آخر: هل يمكن للتاريخ وحده أن يكون مرشداً كافياً لصناعة المستقبل؟
فالخليج اليوم لا ينافس على موانئ القرن التاسع عشر ولا على طرق التجارة التقليدية، بل ينافس على الاقتصاد العالمي الجديد. والتحديات القادمة لن تميز بين دولة بحرية ودولة صحراوية، بل بين اقتصاد متكامل قادر على المنافسة واقتصادات متفرقة تتحرك كل منها منفردة.
ومن هنا يبرز جوهر النقاش. فدول الخليج لم تستثمر لعقود في بناء منظومة مشتركة حتى يصبح كل طرف مشروعاً قائماً بذاته، بل كانت الرؤية تقوم على أن نجاح أي دولة خليجية يعزز نجاح بقية الدول، وأن الأمن الاقتصادي والسياسي للمنطقة لا يمكن تجزئته.
ولا يقتصر الجدل على النخب السياسية والاقتصادية، بل يمتد إلى جزء من الشارع الخليجي الذي ينظر إلى مجلس التعاون باعتباره امتداداً لروابط تاريخية وقيم متوارثة تقوم على النصرة والتكاتف ووحدة المصير. ولذلك يشعر بعض الخليجيين بالاستياء من أي سياسات يرون أنها تبتعد عن مشروع الاندماج الخليجي في مرحلة تحتاج فيها المنطقة إلى مزيد من التوحد لا إلى مزيد من التباعد.
ولذلك فإن استمرار النهج العُماني الحالي يثير تساؤلات متزايدة داخل الأوساط الخليجية حول جدوى الانتظار الدائم لمواقف متحفظة أو مترددة في قضايا يعتبرها كثيرون مصيرية لمستقبل المنطقة.
الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود اختلاف بالرأي، فالاختلاف أمر طبيعي بين الدول، وإنما في تحول هذا الاختلاف إلى مسار دائم ينتج واقعاً سياسياً واقتصادياً منفصلاً عن بقية المنظومة الخليجية.
وإذا استمرت عُمان في إعطاء الأولوية لمسارها المستقل على حساب مشاريع التكامل الخليجي العميق، فقد تصل بقية دول المجلس في مرحلة ما إلى قناعة مفادها أن مستقبلها الاقتصادي والاستراتيجي لا يمكن أن يبقى رهينة انتظار التوافق الكامل. وعندها قد تتجه هذه الدول نحو بناء شراكات ومشاريع أكثر اندماجاً فيما بينها دون انتظار الجميع.
وفي مثل هذا السيناريو قد تجد مسقط نفسها خارج مركز الثقل الخليجي الجديد، ليس نتيجة خصومة أو قطيعة، بل نتيجة تباعد تدريجي في الرؤى والأولويات.
وقد يكون من السهل البحث عن شركاء جدد عبر بحر العرب والمحيط الهندي، لكن التاريخ والجغرافيا يفرضان حقيقة لا يمكن تجاهلها: لا يوجد بديل طبيعي لعُمان عن محيطها الخليجي، كما لا يوجد بديل طبيعي للخليج عن دوره الاستراتيجي الموحد.
إن بحر العرب مفتوح على العالم، لكنه بحر متقلب بالمصالح والتحالفات. أما الخليج العربي فهو عمق تاريخي واقتصادي وأمني لا يمكن استبداله بسهولة.
ولهذا فإن السؤال الذي سيواجه صناع القرار في السنوات المقبلة ليس كيف تحافظ عُمان على استقلالها، بل كيف توفق بين هذا الاستقلال وبين مسؤولياتها كشريك أساسي في مشروع خليجي يحتاج إلى جميع أبنائه.
فإذا أصرت عُمان على السير منفردة في مرحلة تتجه فيها المنطقة نحو التكتلات الكبرى، فقد تجد نفسها مع مرور الزمن دولة تغرد خارج السرب الخليجي، تبحث عن توازنات وحلفاء في محيط دولي متغير، بينما تمضي بقية دول الخليج في بناء منظومة اقتصادية واستراتيجية أكثر ترابطاً فيما بينها.
وحينها لن يكون السؤال لماذا ابتعد الخليج عن عُمان، بل لماذا اختارت عُمان أن تبتعد عن الخليج في اللحظة التي كان الخليج فيها بأمس الحاجة إلى وحدة الموقف ووحدة المصير.
المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment