هل يتكرر سيناريو بريطانيا أمريكا والخروج الهادئ من الخليج

هل يتكرر سيناريو بريطانيا؟… أمريكا والخروج الهادئ من الخليج

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 11 مايو 2026

حين انسحبت بريطانيا من الخليج في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، لم يكن خروجها هروبًا عسكريًا بقدر ما كان اعترافًا بأن العالم تغيّر وأن تكلفة الإمبراطورية أصبحت أكبر من قدرة لندن على تحملها. يومها لم تختفِ بريطانيا بالكامل من المنطقة، لكنها تحولت من قوة تدير الخليج مباشرة إلى قوة تحتفظ بالنفوذ والعلاقات والمصالح من بعيد.

اليوم يطرح كثيرون السؤال نفسه عن الولايات المتحدة:

هل تسير أمريكا نحو خروج مشابه من الخليج؟

وهل ما نراه من تغير في العلاقات مع السعودية وبقية دول الخليج هو بداية هذا التحول التاريخي؟

الحقيقة أن أمريكا لن تغادر الخليج غدًا، لكنها أيضًا لم تعد تريد البقاء بالطريقة القديمة نفسها.

فواشنطن لم تعد تعتمد على نفط الخليج كما كانت في السبعينيات، كما أن الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان خلقت داخل أمريكا نفسها تيارًا متعبًا من فكرة التدخلات المكلفة وإدارة الأزمات المفتوحة في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، تغير الخليج أيضًا.

دول الخليج لم تعد مجرد دول صغيرة تبحث عن الحماية فقط، بل أصبحت تملك صناديق سيادية ضخمة، وموانئ عالمية، وشركات طاقة واستثمارات عابرة للقارات، وتحاول بناء صناعات عسكرية واقتصادات متنوعة. ولهذا بدأت تنظر إلى نفسها كشريك لا كتابع.

ومن هنا نفهم التحول الهادئ الذي يجري اليوم في العلاقة الخليجية الأمريكية.

أمريكا ما زالت موجودة بالقواعد العسكرية والأساطيل والاتفاقيات الأمنية، لكنها تبدو أقل رغبة في لعب دور “الشرطي المباشر” الذي يتحمل وحده كل أعباء المنطقة. وفي المقابل، تحاول دول الخليج بناء قدرات ذاتية أكبر حتى لا تبقى رهينة لأي قوة خارجية مهما كانت.

وربما لهذا السبب أصبح التركيز الخليجي اليوم على:

الاقتصاد،

والصناعات،

والموانئ،

والطاقة،

والذكاء الاصطناعي،

وسلاسل الإمداد، أكثر من التركيز على الخطابات العسكرية التقليدية. لأن الجميع يشعر أن العالم يدخل مرحلة جديدة قد لا يكون فيها الاعتماد المطلق على الحماية الغربية ضمانة دائمة كما كان في الماضي.

لكن الفرق بين أمريكا وبريطانيا يبقى كبيرًا.

بريطانيا خرجت لأنها فقدت القدرة على الاستمرار كقوة عالمية مهيمنة، أما أمريكا فما زالت القوة العسكرية والمالية الأكبر في العالم، وما زالت ترى الخليج منطقة حيوية بسبب الطاقة والممرات البحرية والتنافس مع الصين وروسيا.

ولهذا فإن السيناريو الأقرب ليس “رحيلًا أمريكيًا كاملًا”، بل إعادة تموضع تدريجية؛ أي وجود أخف، واعتماد أكبر على الحلفاء المحليين، وإدارة النفوذ من الخلف بدل الإدارة المباشرة لكل تفاصيل المنطقة.

وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا؛ فكلما شعرت دول الخليج أن المظلة الغربية قد تصبح أقل حضورًا في المستقبل، زاد إدراكها لأهمية بناء قوة خليجية ذاتية اقتصاديًا وصناعيًا وعسكريًا. لأن الفراغ في هذه المنطقة الحساسة لا يبقى فارغًا طويلًا، والتاريخ يقول إن القوى الإقليمية والدولية دائمًا تسارع لملئه.

ولهذا قد يكون السؤال الحقيقي ليس: هل ستخرج أمريكا من الخليج؟

بل: هل يستطيع الخليج أن يبني نفسه قبل أن يتغير شكل الحماية الدولية التي اعتاد عليها منذ عقود؟

فالعالم يتغير بسرعة…

ومن لا يبني قوته الذاتية في زمن التحولات الكبرى، قد يجد نفسه يومًا مجرد ساحة لصراعات الآخرين.

المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟