الدور الأوروبي في الدفاع عن السعودية

أوروبا تتقدم للدفاع عن السعودية مع تراجع التدخل العسكري الأمريكي المباشر

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 20 أكتوبر 2026

يشهد الخليج العربي تحولًا مهمًا في طبيعة التحالفات العسكرية الدولية، بعد أن بدأت الدول الأوروبية تتدخل بصورة مباشرة لحماية المملكة العربية السعودية، في وقت أصبحت فيه الولايات المتحدة أكثر تحفظًا تجاه المشاركة العسكرية المباشرة في مواجهة الهجمات الحوثية. وهذا التطور لا يتعلق بإرسال طائرات مقاتلة بريطانية فحسب، بل يطرح احتمال بداية انتقال تدريجي في المسؤوليات الأمنية من الاعتماد شبه الحصري على واشنطن إلى مشاركة أوروبية أكثر استقلالًا.

ففي 20 أكتوبر 2026، أعلنت بريطانيا إرسال مقاتلات تايفون التابعة لسلاح الجو الملكي لتنفيذ دوريات دفاعية فوق الأراضي السعودية، لحماية المدن والمطارات والمنشآت الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية. كما أعلنت تقديم طائرة نقل عسكرية ومستشارين عسكريين وتمديد عمليات التزوّد بالوقود جوًا لمدة تسعين يومًا إضافية.

وجاء القرار البريطاني بعد خطوة فرنسية سبقتها في 24 سبتمبر، عندما أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون إرسال قوات ورادارات ومنظومات دفاع جوي لحماية ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، الذي أصبح أحد أهم منافذ تصدير النفط السعودي بعيدًا عن مضيق هرمز. وفي منتصف أكتوبر أكدت باريس بدء تنفيذ ترتيبات هذا الانتشار.

وهكذا أصبحت فرنسا تشارك في حماية ممر تصدير النفط السعودي، بينما تستعد بريطانيا للمشاركة المباشرة في حماية الأجواء السعودية. وقدمت إيطاليا بدورها معدات ومساعدات تقنية دفاعية. وهذه التطورات تمنح التعاون العسكري الأوروبي مع المملكة بُعدًا عملياتيًا يتجاوز صفقات السلاح والتدريب والتعاون التقليدي.

أما الولايات المتحدة، التي ظلت لعقود الشريك الأمني الرئيسي للسعودية، فقد اتخذت موقفًا مختلفًا. ووفق تقارير أمريكية وفرنسية خلال سبتمبر، قدمت واشنطن مساعدات استخباراتية ومعلومات استهداف، لكنها تجنبت حتى ذلك الوقت التدخل العسكري المباشر ضد الحوثيين. ومع أن أنظمة الدفاع الأمريكية الموجودة في المملكة لا تزال جزءًا مهمًا من قدراتها العسكرية، فإن تردد واشنطن في توسيع مشاركتها يفسر جانبًا من توجه الرياض نحو شركاء آخرين.

والفارق هنا ليس بين وجود أمريكي وانسحاب أمريكي كامل، وإنما بين الاعتماد على دولة تمتلك معظم مفاتيح الدعم العسكري، وبين توزيع المسؤوليات على عدة قوى تستطيع المشاركة في الدفاع عن المملكة بقرارات مستقلة.

ومن أهم ما كشفته هذه التطورات أن التحركات البريطانية والفرنسية جرى التفاوض عليها مباشرة مع الرياض، وليس في إطار تحالف عسكري تقوده الولايات المتحدة، كما جرت العادة في كثير من العمليات الغربية السابقة في المنطقة. وهذا الاستقلال في اتخاذ القرار يحمل أهمية سياسية قد تتجاوز حجم القوات الأوروبية المشاركة.

لقد اعتادت دول الخليج منذ عقود النظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن العسكري الأساسي لأمنها الخارجي، مقابل علاقات واسعة تشمل القواعد العسكرية والتسليح والتعاون الاقتصادي والطاقة. غير أن الحروب الإقليمية الأخيرة أظهرت أن المصالح الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الخليجية، وأن واشنطن قد تختار حدود مشاركتها العسكرية وفق حساباتها الخاصة، حتى عندما تتعرض منشآت حيوية لدى حلفائها للهجوم.

وفي المقابل، أصبحت الدول الأوروبية أكثر إدراكًا أن أمن الخليج ليس قضية بعيدة عن اقتصادها. فأي اضطراب في صادرات النفط أو حركة التجارة عبر البحر الأحمر وباب المندب ينعكس على تكلفة الطاقة والتأمين والنقل والصناعة داخل أوروبا. ولهذا فإن حماية المنشآت السعودية لا تمثل خدمة عسكرية مجانية، بل تدخل ضمن المصالح الاقتصادية والأمنية الأوروبية نفسها.

والمثال الأوضح هو ميناء ينبع. فمع تعطل الملاحة عبر هرمز، أصبحت الأنابيب السعودية الممتدة من الشرق إلى الغرب وسيلة مهمة لاستمرار تصدير النفط. ولذلك فإن حماية ينبع تعني حماية منفذ استراتيجي للطاقة العالمية، وليس مجرد حماية منشأة سعودية. وقد أدركت باريس أن أي ضربة مؤثرة لهذا المنفذ قد تزيد اضطراب الأسواق الأوروبية التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف الطاقة.

أما بريطانيا، فإنها ترى في حماية السعودية وسلامة الملاحة في البحر الأحمر مصلحة اقتصادية مباشرة. وقد أوضح بيانها المقدم إلى البرلمان أن الاضطرابات في باب المندب والبحر الأحمر تهدد التجارة الدولية وإمدادات الطاقة وترفع التكاليف على الشركات والمستهلكين البريطانيين.

لكن المسألة الأهم بالنسبة لدول الخليج هي أن المشاركة الأوروبية تفتح مجالًا لإعادة النظر في هيكل الأمن الإقليمي. فبدل ارتباط جميع الترتيبات الأمنية بمركز قرار واحد في واشنطن، يصبح ممكنًا بناء شبكة دفاعية متعددة الأطراف تضم دولًا أوروبية، إلى جانب الشركاء الإقليميين والدفاعات الوطنية الخليجية.

وهذا لا يعني أن أوروبا أصبحت قادرة اليوم على الحلول محل الولايات المتحدة عسكريًا. فالقدرات الأمريكية في القيادة والسيطرة والإنذار المبكر والاستخبارات والدفاع الصاروخي والإمداد العسكري لا يمكن استبدالها بمجرد إرسال عدد من المقاتلات أو البطاريات الدفاعية الأوروبية. كما أن التحركات الحالية مبادرات وطنية من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وليست حتى الآن مظلة دفاعية أوروبية موحدة.

ومع ذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذا التطور تكمن في بدايته، لا في حجمه الحالي. فالمشاركة العسكرية المباشرة قد تتحول بمرور الوقت إلى اتفاقيات أطول أجلًا تشمل الدفاع الجوي المشترك وتبادل المعلومات والإنذار المبكر وحماية الموانئ وخطوط الطاقة. وعندئذ تصبح أوروبا شريكًا أمنيًا قائمًا بذاته، وليس مجرد طرف مساعد ضمن ترتيبات تقودها واشنطن.

ويمنح هذا التنوع السعودية مجالًا أوسع في إدارة علاقاتها الدولية. فعندما تتعدد الجهات القادرة على تقديم المساعدة العسكرية، تتراجع مخاطر الارتهان لقرار دولة واحدة، وتزداد قدرة المملكة على الاستمرار في حماية مصالحها حتى عندما تختلف حسابات حلفائها.

ويمكن أن يمتد هذا التحول إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا إذا جرى ربط التعاون الأوروبي بمنظومة دفاع جوي خليجية مشتركة. فعندئذ لا تكون العلاقة مجرد استدعاء طائرات أجنبية أثناء الأزمات، بل تتحول إلى بناء قدرة إقليمية دائمة تعتمد على القوات الخليجية أولًا، وتستفيد من الدعم الخارجي دون أن تصبح خاضعة له.

ويبقى الجانب السياسي مهمًا بالقدر نفسه. فبريطانيا أعلنت بوضوح أن طائراتها ستؤدي مهام دفاعية ولن تشن ضربات هجومية على الحوثيين، كما أكدت استمرار دعمها للحل السياسي في اليمن. وهذا يضع حدودًا واضحة للتدخل الأوروبي، ويشير إلى محاولة الفصل بين حماية أمن السعودية وبين الانخراط في حرب مفتوحة داخل اليمن.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن توسع الحضور الأوروبي لا يعني بالضرورة خسارتها تحالفاتها الخليجية، لكنه قد يقلص تدريجيًا احتكارها العملي لتوفير بعض أشكال الحماية العسكرية. وإذا استمر الأوروبيون في تطوير مساهماتهم الدفاعية المستقلة، فقد تجد واشنطن نفسها أمام شركاء خليجيين يمتلكون بدائل أوسع عند الاختلاف معها.

وتشير التطورات الحالية إلى أن الرياض لم تعد تنتظر استجابة عسكرية أمريكية واحدة لكل تهديد، وإنما بدأت تستخدم علاقاتها المتعددة لتوفير ما تحتاج إليه من حماية. وهذا تحول في أسلوب إدارة التحالفات، سواء أصبح التدخل الأوروبي دائمًا أم بقي مرتبطًا بالأزمة الحالية.

إن دخول المقاتلات البريطانية والمنظومات الدفاعية الفرنسية لحماية السعودية ليس إعلانًا عن نهاية الدور الأمريكي في الخليج، لكنه يمثل مؤشرًا عمليًا على أن هذا الدور لم يعد الطريق الوحيد للحصول على المساندة العسكرية الغربية.

والنتيجة التي تستحق المتابعة هي ما إذا كانت أوروبا ستكتفي بسد فجوة دفاعية مؤقتة تركها تحفظ واشنطن، أم ستتجه نحو تحمل مسؤوليات أمنية مستمرة في الخليج والبحر الأحمر.

فإذا تحقق الاحتمال الثاني، فلن يكون التغيير مجرد انتقال بعض المهام العسكرية من أمريكا إلى أوروبا، بل بداية إعادة توزيع النفوذ والمسؤوليات الأمنية في منطقة ظلت لعقود مرتبطة بصورة رئيسية بالقوة الأمريكية.

والمصلحة الخليجية في هذه المرحلة لا تكمن في استبدال الاعتماد على واشنطن باعتماد جديد على لندن وباريس، وإنما في توظيف التعدد الدولي لبناء أمن خليجي أكثر استقلالًا، تكون فيه القوى الخارجية شركاء في الحماية، لا أصحاب القرار النهائي في أمن المنطقة.

المقال يستند إلى بيان وزارة الدفاع البريطانية والبيان المقدم إلى البرلمان في 20 أكتوبر 2026، والتقارير المتعلقة بالتدخل الفرنسي في ينبع، وموقف واشنطن من المشاركة العسكرية المباشرة، وتحليل «المونيتور» حول استقلال التحركات الأوروبية عن التحالفات الأمريكية التقليدية.

المصادر والمراجع: معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري؛ الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟