ذكرياتي الأكاديمية في زمن التضخم الكبير

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة

(بين 1976 و1982 – تجربة طالب اقتصاد في قلب الأزمة)
كانت سنوات دراستي للاقتصاد والتسويق في الولايات المتحدة ما بين 1976 و1982 من أكثر الفترات التي تركت أثرًا عميقًا في ذهني وفي فهمي للحركة الاقتصادية. فقد تزامنت تلك المرحلة مع ما يُعرف في التاريخ الاقتصادي باسم الحقبة التضخمية الكبرى (The Great Inflation)، وهي الفترة التي هزّت الثقة في المدرسة الاقتصادية الأمريكية وأربكت عقول الأكاديميين وصُنّاع القرار على حد سواء.
في قاعات الجامعة، كان فرع الاقتصاد يعيش حالة من الارتباك الفكري. النظريات التي كنا ندرسها عن العلاقة العكسية بين البطالة والتضخم لم تعد تفسّر الواقع، إذ كانت الأسعار ترتفع باستمرار بينما البطالة تتسع في الوقت نفسه. كان الأساتذة يأتون إلى المحاضرات مثقلين بالقلق، وبعضهم يربط الأزمات الفكرية بالأزمات المعيشية، فحتى الوقود والطاقة والغذاء أصبح عبئًا يوميًا يضغط على الجميع.
في تلك الأجواء المشحونة، ازداد اهتمامي بموضوع التضخّم، الذي يُعرَّف بأنه الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات مما يؤدي إلى انخفاض القوة الشرائية للنقود. ويحدث التضخّم نتيجة زيادة الطلب على السلع أو ارتفاع تكاليف الإنتاج أو السياسات النقدية التوسّعية كطباعة النقود وخفض أسعار الفائدة.
وتظهر آثاره في تآكل المدخرات، وارتفاع الأسعار العامة، واتساع الفجوة الاجتماعية، في حين أن التضخّم المعتدل قد يساهم أحيانًا في تحفيز النمو والاستثمار إذا تمت إدارته بحكمة.
ينقسم التضخّم، من حيث شدّته، إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
معتدل (1–5٪) وهو طبيعي ومقبول في الاقتصاد النامي.
متسارع (5–15٪) ويبدأ عنده فقدان الثقة بالعملة واهتزاز الأسواق.
مفرط (أكثر من 50٪ شهريًا) وهو الأخطر، إذ يقود إلى انهيار اقتصادي واجتماعي شامل.
اقتصاديًا، يعكس التضخّم خللًا بين كمية النقود المتداولة والإنتاج الحقيقي،
أما من المنظور التسويقي، فهو يجبر الشركات على إعادة النظر في سياسات التسعير واستراتيجيات القيمة لضمان بقاء منتجاتها في السوق رغم تغيّر التكاليف.
وخلاصته أن السيطرة على التضخّم تتطلّب توازنًا دقيقًا في السياسات المالية والنقدية، بحيث يُدعَم الإنتاج الحقيقي دون المساس باستقرار الأسعار.
ذلك الارتباك العلمي والمعيشي دفعني إلى التعمق أكثر في دراسة الظاهرة، وإلى الدفاع – في أول بحث كتبته بالجامعة – عن وجهة نظر مختلفة بشأن منظمة أوبك (OPEC). ففي حين كانت الأصوات السياسية والإعلامية تُحمّل أوبك مسؤولية الأزمة، رأيت أن القضية أعمق بكثير، وأن التضخّم آنذاك لم يكن وليد ارتفاع النفط فحسب، بل نتيجة تفاعل معقد بين السياسة النقدية الأمريكية، والحروب الخارجية، وتغيّر النظام النقدي العالمي بعد فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971.
وبين دفاتر المحاضرات وأوراق البحث، بدأت أرى التضخّم ليس كرقم اقتصادي جامد، بل كظاهرة تعكس اختلال العلاقة بين المال والإنتاج، وبين الثقة والقرار. فحين يفقد الاقتصاد توازنه النفسي والمؤسسي، يصبح التضخّم مرآة تكشف عمق الخلل لا سببه فقط.
لقد علّمتني تلك السنوات أن فهم الاقتصاد لا يأتي من المعادلات وحدها، بل من عيشه وسط الناس، من مراقبة كيف تغيّر الأسعار حياتهم، وكيف يختبر المجتمع صدمة فقدان الاستقرار النقدي. كانت تلك المرحلة بداية شغفي الحقيقي بالاقتصاد النقدي، وبالبحث عن الحدّ الفاصل بين النمو والتضخّم، بين الإصلاح والألم.

المصادر والمراجع: الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، التضخم الكبير 1965–1982؛ مصرف قطر المركزي، أدوات السياسة النقدية

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث و الصياغه

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟