ترميز العقارات ودروس تجزئة المخاطر المالية
عندما تُجزّأ الخسارة وتُباع للمواطنين: دروس التاريخ المالي قبل ترميز العقارات
تحليل اقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 27 أغسطس 2026
ليس كل ابتكار مالي تقدمًا، وليس كل منتج يحمل اسمًا حديثًا استثمارًا جديدًا. فقد أثبت التاريخ المالي أن أخطر الأزمات تبدأ أحيانًا بفكرة تبدو منطقية ومغرية: أخذ أصل كبير لا يستطيع الفرد شراءه، وتقسيمه إلى حصص صغيرة، ثم بيعها إلى آلاف المستثمرين. يبدو الأمر وكأنه توزيع للفرص، لكنه قد يتحول، إذا غابت الشفافية والرقابة، إلى توزيع للخسائر.
لهذا يجب النظر بحذر إلى مشروع ترميز العقارات وتداول الرموز العقارية. فالترميز في ذاته ليس خطأ، كما أنه ليس ضمانًا للربح. إنه مجرد وسيلة لتحويل الحقوق المرتبطة بعقار إلى حصص رقمية قابلة للتملك والتداول. ولكن السؤال الذي يعلّمنا التاريخ أن نطرحه هو: ما الأصل الموجود خلف هذه الحصص؟ ومن يريد بيعه؟ ولماذا يريد الخروج منه الآن؟
في ثمانينيات القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة أزمة مؤسسات الادخار والقروض. توسعت مؤسسات مالية كثيرة في تمويل مشاريع عقارية وتجارية عالية المخاطر، مستفيدة من تخفيف القيود، بينما كانت الرقابة عاجزة عن ملاحقة سرعة التوسع. وعندما تعثرت القروض وانخفضت قيمة العقارات، لم يعد الأمر مشكلة بين البنك والمقترض وحدهما، بل تحولت الخسائر إلى أزمة عامة. وتشير بيانات تاريخ الاحتياطي الفيدرالي إلى أن قرابة ربع مؤسسات الادخار والقروض أُغلقت أو دُمجت أو وُضعت تحت الوصاية بين عامي 1983 و1990. تاريخ الاحتياطي الفيدرالي
كان الدرس واضحًا: عندما يمول البنك عقارًا بأعلى من قيمته الحقيقية، أو يعتمد على توقعات متفائلة للإيجارات والإشغال، فإن المشكلة لا تظهر عند توقيع القرض، بل عندما يتوقف العقار عن إنتاج دخل يكفي لخدمة ديونه. وعندها يبدأ البحث عن طرف جديد يحمل العبء.
ثم جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتقدم درسًا أشد خطورة. كانت البنوك تمنح قروضًا عقارية، ثم تجمع مئات أو آلاف القروض في حزم مالية، وتقسمها إلى أوراق صغيرة وتبيعها للمستثمرين. وبذلك انتقلت المخاطر من دفاتر البنوك إلى الصناديق والمؤسسات والأفراد في أنحاء العالم.
على الورق، بدت هذه المنتجات متنوعة وآمنة؛ لأن الخطر موزع على عدد كبير من القروض. لكن داخل الحزم كانت توجد قروض ضعيفة مُنحت لأشخاص قد لا يستطيعون السداد. وزاد الأمر خطورة أن منتجات مالية معقدة حصلت على تصنيفات ائتمانية مرتفعة، رغم رداءة بعض الأصول التي تستند إليها.
وخلصت لجنة التحقيق الأمريكية في الأزمة المالية إلى أن انهيار معايير الإقراض، إلى جانب سلسلة توريق الرهون العقارية، ساعد على إشعال الأزمة ونشرها. لم تكن المشكلة في التوريق وحده، بل في استخدامه لإخفاء ضعف القروض، وإبعاد الخطر عن الجهة التي اتخذت قرار التمويل، وبيعه إلى مستثمر لا يعرف حقيقة ما اشتراه. تقرير لجنة التحقيق في الأزمة المالية
وهنا يظهر التشابه الذي يستوجب الحذر، دون الادعاء بأن الترميز هو نفسه التوريق. ففي الماضي جُمعت القروض وقُسّمت إلى أوراق مالية، واليوم يمكن تقسيم الحقوق المرتبطة بالعقار إلى رموز رقمية. التقنية مختلفة، والهيكل القانوني مختلف، لكن الخطر الاقتصادي قد يتكرر إذا كان الأصل متعثرًا، وسعره مبالغًا فيه، ومعلوماته ناقصة.
فإذا كان برج ما عاجزًا عن تحقيق دخل يغطي مصروفاته وديونه، فلن يصبح ناجحًا بعد تقسيمه إلى آلاف الرموز. وإذا كانت قيمته السوقية 500 مليون ريال، بينما ديونه تبلغ 800 مليون، فلا يجوز طرحه بقيمة 800 مليون حتى يسترد البنك أمواله ويخرج المالك من مديونيته. يجب أولًا الاعتراف بالخسارة، ثم تحديد من يتحملها.
هذه هي أهم قاعدة في الموضوع: يجب أن يتحمل المالك والبنك نتائج قراراتهما السابقة قبل دخول المواطن، لا بعده.
التاريخ يعلمنا أيضًا أن الخطر يزداد عندما تتداخل المصالح. فقد يكون البنك هو الممول، ويكون طرف مرتبط به مستفيدًا من العقار، ويختار الجهة التي تقيّمه، ثم يشارك في تسويق حصصه. وفي سوق صغيرة تتشابك فيها الملكيات والعلاقات، لا يكفي أن يقال إن التقييم صادر عن جهة متخصصة؛ بل يجب إعلان من يملكها، ومن دفع أتعابها، وما علاقتها بالمالك والبنك.
لذلك يجب ألا يشتري المواطن رمزًا عقاريًا قبل أن يعرف القيمة السوقية المستقلة للعقار، وحجم ديونه ورهونه، ونسبة إشغاله، وإيراداته الفعلية لسنوات سابقة، وتكاليف تشغيله وصيانته، والعائد الصافي بعد جميع المصروفات. كما يجب أن يعرف الجهة التي ستحصل على أموال الطرح: هل ستذهب لتطوير العقار، أم لسداد البنك، أم لإخراج المالك القديم؟
ويجب كذلك منع استخدام أموال التقاعد والقُصّر والأيتام والجهات العامة في شراء هذه الرموز، إلا وفق ضوابط مستقلة ومشددة. فهذه الأموال ليست صندوقًا لإنقاذ الاستثمارات الخاصة. وإذا كان العقار جيدًا فعلًا، فستثبت ذلك أرقامه وسيجد المستثمرين دون ضغط أو ضمانات حكومية غير معلنة.
إننا لا نرفض التطور ولا الاستثمار العقاري، ولكن التاريخ يحذرنا من الأسماء اللامعة. فقد كان «التوريق» يومًا رمزًا للحداثة المالية، ثم اكتشف العالم أن بعض الأوراق الراقية كانت تخفي قروضًا رديئة.
واليوم يجب ألا تسمح قطر بأن تصبح التقنية الحديثة ستارًا يخفي خلفه ديونًا قديمة. فالرمز الرقمي لا يمحو الخسارة، وتقسيم العقار لا يرفع عائده، ونقل الخطر من أصحاب النفوذ إلى المواطنين ليس تطويرًا للسوق.
قبل أن نشتري الرمز، يجب أن نعرف الحقيقة الموجودة خلفه. فالتاريخ المالي لا يكرر نفسه بالصورة ذاتها، لكنه كثيرًا ما يعيد الخطر نفسه تحت اسم جديد.
المصادر والمراجع: بنك التسويات الدولية، أبحاث التكنولوجيا المالية؛ صندوق النقد الدولي، تقرير الاستقرار المالي العالمي.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment