مقالات في حق وحدة الخليج لا تجوز في هذه المرحلة

مقالات في حق وحدة الخليج لا تجوز في هذه المرحلة

تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 20 يونيو 2026

أثار مقال الكاتب السعودي أحمد التويجري بعنوان «جنايات أبوظبي في حق الأمة» نقاشاً واسعاً في الأوساط الخليجية والعربية. وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع ما ورد فيه، فإن توقيت مثل هذه المقالات يطرح سؤالاً مهماً: هل تحتاج منطقة الخليج اليوم إلى فتح جبهات إعلامية جديدة بين الأشقاء، أم أنها بحاجة إلى تعزيز التماسك الخليجي في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال بسبب مكانة التويجري في المشهد الفكري والإعلامي السعودي. فالرجل لا يُنظر إليه من قبل كثير من المتابعين باعتباره مجرد كاتب رأي عابر، بل يعد من الأسماء المعروفة والقريبة من دوائر النقاش والتأثير في المملكة. ولذلك فإن مقالاته تحظى بمتابعة واسعة، وتُقرأ في كثير من الأحيان باعتبارها مؤشراً على توجهات أو نقاشات تدور داخل البيئة السياسية والفكرية السعودية، حتى وإن لم تكن تعبر بالضرورة عن موقف رسمي للدولة.

ومن هنا فإن تأثير مثل هذه المقالات لا يقتصر على الجدل الإعلامي، بل يمتد إلى تشكيل الانطباعات السياسية داخل الخليج وخارجه، وهو ما يضاعف مسؤولية الكاتب عندما يتعلق الأمر بملفات تمس العلاقات بين الدول الخليجية الشقيقة.

ليس المقصود هنا الدفاع عن أي دولة أو تبرئة أي سياسة من الأخطاء، فكل دولة وكل مسؤول وكل قرار سياسي قابل للنقد والمراجعة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الخلافات السياسية إلى خطاب إعلامي يوسع الفجوة بين دول الخليج في لحظة تاريخية تواجه فيها المنطقة تحديات غير مسبوقة.

لقد بنى التويجري مقاله على تحميل أبوظبي مسؤولية عدد من الملفات العربية المعقدة، من اليمن إلى ليبيا إلى السودان. غير أن هذه الأزمات لم تكن نتاج قرار دولة واحدة، بل شاركت في تشكيلها قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة، وتداخلت فيها الحسابات السياسية والأمنية والعسكرية على مدى سنوات طويلة.

ومن هنا فإن اختزال هذه الملفات في طرف واحد قد يكون مفيداً في صناعة خطاب سياسي مؤثر، لكنه لا يقدم تفسيراً كاملاً للواقع، ولا يساعد على بناء رؤية خليجية مشتركة للمستقبل. فالأزمات العربية الكبرى خلال العقدين الماضيين كانت نتاج شبكة معقدة من التدخلات والصراعات والمصالح المتعارضة، ولم تكن مسؤولية طرف واحد مهما كان حجمه أو تأثيره.

إن دول الخليج اليوم تواجه مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية بعد سنوات من الصراعات والحروب. كما تواجه تحديات تتعلق بأمن الطاقة، والممرات البحرية، والاستقرار الاقتصادي، ومستقبل العلاقة مع القوى الدولية والإقليمية. وفي مثل هذه الظروف تصبح الأولوية لتعزيز التعاون والتنسيق بين العواصم الخليجية، لا لتبادل الاتهامات أو تعميق الانقسامات الإعلامية.

لقد أثبتت التجارب أن الانقسامات الخليجية كانت دائماً فرصة تستفيد منها القوى المنافسة للمنطقة. وكلما تراجع التنسيق الخليجي، ازدادت قدرة الأطراف الخارجية على التأثير في القرار الإقليمي. أما عندما تتقارب دول الخليج وتوحد مواقفها، فإنها تصبح أكثر قدرة على حماية مصالحها والدفاع عن أمنها الجماعي.

النقد حق مشروع، لكن وحدة الخليج واستقراره مصلحة استراتيجية أعلى من أي خلاف سياسي عابر. ولذلك فإن المقالات التي تزيد الاحتقان بين الأشقاء، مهما كانت دوافع أصحابها، لا تخدم هذه المرحلة الحساسة التي تحتاج إلى بناء الجسور أكثر مما تحتاج إلى بناء الخصومات.

فإذا كان الهدف هو خدمة الأمة العربية والخليجية، فإن الطريق إلى ذلك يبدأ بتعزيز التماسك الخليجي، وتوسيع مساحات الحوار، والبحث عن المشتركات، لا بتغذية الانقسامات وإعادة فتح ملفات الخلاف في لحظة تحتاج فيها المنطقة إلى أكبر قدر من الوحدة والتنسيق.

إن التاريخ يعلمنا أن الدول المتجاورة لا تقاس فقط بحجم خلافاتها، بل بقدرتها على تجاوز تلك الخلافات عندما تواجه تحديات أكبر. واليوم تبدو دول الخليج أمام اختبار من هذا النوع، حيث تصبح الحكمة السياسية والوعي الاستراتيجي أكثر أهمية من أي انتصار إعلامي عابر.

ولهذا فإن مقالات الخلاف بين الأشقاء، مهما كانت دوافعها أو مبرراتها، لا تجوز في هذه المرحلة الدقيقة التي تتطلب خطاباً يوحد الصفوف أكثر مما يفرقها.

المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟