قبل أن نُصلح العالم- أهل قطر أولى بزكاتهم وأوقافهم
قبل أن نُصلح العالم: أهل قطر أولى بزكاتهم وأوقافهم
العالم له رب يحميه، وليس مطلوبًا من دولة واحدة أو مجتمع صغير أن يصلح العالم كله، أو أن يتحمل بصورة دائمة نتائج الحروب والانقسامات والفشل السياسي والاقتصادي في دول أخرى.
إن مساعدة المنكوبين عمل إنساني نبيل، لكن الإنسانية تبدأ من البيت، والعدل يبدأ من الأقرب. فلا يستقيم أخلاقيًا أن تُبنى المساكن والمجمعات في الخارج، بينما توجد داخل البلاد أسر قطرية تحت الرعاية الاجتماعية تنتظر المسكن، أو تعاني الديون وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأموال الزكاة ومردود الأوقاف التي جُمعت ونمت داخل المجتمع ليست أموالًا بلا أصحاب، ولا صندوقًا مفتوحًا لخدمة السياسة الخارجية أو تحسين الصورة أمام العالم. إنها أمانة اجتماعية وضعها أهل البلاد وأجدادهم لتخفيف الفقر، وإغاثة المدينين، وحماية الأرامل والأيتام والأسر الضعيفة.
أما المساعدات الخارجية المرتبطة بالحروب والكوارث والعلاقات الدولية، فينبغي أن تتحملها الدولة من ميزانيتها العامة، عبر مؤسساتها الدبلوماسية والإنسانية، وألا تصبح أموال الزكاة والأوقاف المحلية بديلًا دائمًا عن الميزانية العامة.
ماذا تحصل الأسرة القطرية من الضمان الاجتماعي؟
بحسب قرار مجلس الوزراء رقم 46 لسنة 2014، تحصل الأرملة والمطلقة واليتيم والزوجة المهجورة على ستة آلاف ريال شهريًا. ويحصل الشخص ذو الإعاقة على أربعة آلاف ريال.
أما الأسرة المحتاجة، فيخصص لها ستة آلاف ريال للزوج، وألفا ريال للزوجة، وألف ريال عن كل ولد. وبذلك تحصل الأسرة المكونة من زوج وزوجة وطفلين على عشرة آلاف ريال شهريًا، والأسرة التي لديها ثلاثة أبناء على أحد عشر ألف ريال، والتي لديها أربعة أبناء على اثني عشر ألف ريال (نص القرار).
وهذه المبالغ حُددت منذ أكثر من عشر سنوات. ووفق المجلس الوطني للتخطيط، بلغ مؤشر أسعار المستهلك 112.39 نقطة في ديسمبر 2025، على أساس أن سنة 2018 تساوي 100 نقطة. وهذا يعني أن المستوى العام للأسعار ارتفع بنحو 12.39% منذ سنة الأساس.
وبحساب القوة الشرائية فقط، فإن إعانة العشرة آلاف ريال تحتاج إلى نحو 11,239 ريالًا لتحافظ على قيمتها مقارنة بعام 2018، أي إن فجوة القوة الشرائية تبلغ نحو 1,239 ريالًا شهريًا، مع أن الإعانة نفسها حُددت قبل ذلك، في عام 2014 (المجلس الوطني للتخطيط).
الدولة توفر السكن والماء والكهرباء والعلاج… ولكن متى يتوفر المسكن؟
من الإنصاف الاعتراف بأن الدولة توفر للمواطن المستحق السكن الحكومي، إلى جانب الماء والكهرباء والعلاج المجاني في المؤسسات الصحية الحكومية. وهذا دعم كبير يخفف عن الأسرة أثقل أعباء المعيشة.
لكن وجود الحق في النظام لا يعني دائمًا حصول الأسرة عليه فورًا. فقد تطول إجراءات تخصيص المسكن، وقد تمتد فترة الانتظار في بعض الحالات إلى نحو سنين. وخلال هذه المدة تضطر الأسرة إلى دفع الإيجار من معاش الضمان، أو السكن مع الأقارب، أو الاقتراض حتى تحصل على المسكن الحكومي.
وبحسب بيانات السوق العقارية المحلية للربع الأول من عام 2026، بلغ متوسط إيجار الشقة ذات الغرفتين نحو ستة آلاف ريال شهريًا، والشقة ذات الثلاث غرف نحو سبعة آلاف ريال (تقرير السوق العقارية).
فالأسرة المكونة من زوج وزوجة وطفلين تحصل على عشرة آلاف ريال. وإذا دفعت ستة أو سبعة آلاف ريال للإيجار، فلن يبقى لها إلا ثلاثة أو أربعة آلاف ريال للطعام والمواصلات والاتصالات والملابس ومستلزمات الأبناء وصيانة السيارة والطوارئ.
وبتقدير معيشي متحفظ، قد تحتاج هذه الأسرة، خلال انتظار المسكن، إلى ما بين 13,500 و18,600 ريال شهريًا. وبذلك يتراوح العجز التقريبي بين 3,500 و8,600 ريال كل شهر. وإذا استمر الانتظار سنتين، فقد يتراكم على الأسرة عجز يتراوح بين 84 ألفًا وأكثر من 200 ألف ريال.
أما بعد استلام المسكن الحكومي، وتوفير الماء والكهرباء والعلاج، فإن إعانة العشرة آلاف ريال قد تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات. لكن هامش الأمان يظل محدودًا، وقد يظهر عجز يصل إلى نحو 1,600 ريال أو أكثر عند تعطل السيارة، أو إصلاح المنزل، أو ظهور التزام مدرسي أو عائلي مفاجئ.
إذن، المشكلة الأساسية ليست إنكار ما تقدمه الدولة، وإنما الفجوة الزمنية بين استحقاق المسكن وتسليمه فعليًا، إضافة إلى فقدان الإعانة جانبًا من قوتها الشرائية خلال السنوات الماضية.
لماذا لا تسد الزكاة والأوقاف هذه الفجوة؟
الأسر القطرية المسجلة تحت الرعاية الاجتماعية خضعت أصلًا للبحث والتحقق من دخلها وحالتها. ولذلك يمكن أن تكون هذه الأسر نقطة البداية الطبيعية لتوزيع الزكاة ومردود الأوقاف العامة، مع الالتزام بالمصارف الشرعية وشروط الواقفين.
يمكن لصندوق الزكاة وإدارة الأوقاف تخصيص بدل إيجار كامل للأسرة التي ثبت استحقاقها للسكن الحكومي ولم تستلمه بعد. ويستمر هذا البدل حتى تسليم المسكن فعليًا، بدل ترك الأسرة تستدين طوال فترة الانتظار.
كما يمكن استخدام هذه الأموال لسداد الديون الضرورية، وصيانة مساكن المحتاجين، ودعم تعليم الأبناء ومستلزماتهم، ومساعدة كبار السن وذوي الإعاقة، وإنشاء صندوق للطوارئ الأسرية.
إن كل ستين مليون ريال يمكن أن توفر دعمًا قدره خمسة آلاف ريال شهريًا لألف أسرة لمدة سنة كاملة. وهذا أثر مباشر يمكن قياسه ومراجعته، بدل إنفاق الأموال على مشروعات خارجية قد يصعب تتبع نتائجها أو تحديد المستفيد الحقيقي منها.
من يبحث عن المحتاج؟
لا يكفي أن تفتح الجهة الحكومية باب تقديم الطلبات، ثم تنتظر المواطن حتى يبحث عنها ويثبت فقره ويكرر مراجعاته. الأصل أن تمتلك الجهات المختصة قاعدة بيانات موحدة تربط بين الرعاية الاجتماعية والإسكان والتعليم والزكاة والأوقاف.
وبذلك تستطيع معرفة الأسرة التي تنتظر المسكن، والأرملة التي تعول أبناء، والمدين الذي تراكمت عليه التزامات ضرورية، والمسن أو الشخص ذو الإعاقة الذي يحتاج إلى رعاية إضافية. فالمساعدة ليست منّة من الموظف، وإنما حق للمستحق متى انطبقت عليه الشروط.
وإذا تأخر تسليم المسكن سنين، فيجب توفير بدل إيجار مناسب خلال هذه المدة؛ لأن حق الإنسان في السكن لا يتحقق بمجرد صدور الموافقة على الورق، وإنما عندما يستلم المسكن ويعيش فيه فعلًا.
لسنا مسؤولين عن أزمات العالم
إن معظم الدول التي قُدمت إليها المساعدات الخارجية صنعت أنظمتها وقواها المتصارعة جانبًا كبيرًا من الفقر والعوز فيها، بسبب الخلافات الداخلية والصراعات السياسية والطائفية وفقدان الأمن.
وقد أدى غياب الاستقرار إلى تعطيل التنمية، وهروب الاستثمارات، وتراجع فرص العمل، وانتشار الفقر. وشعوب تلك الدول ليست مسؤولة عن أخطاء الحكومات والأحزاب والجماعات المتصارعة، وتستحق الإغاثة عند الكوارث. لكن أموال أهل قطر ليست مكلفة إلى الأبد بتحمل نتائج تلك الأخطاء.
ويُستثنى من ذلك الوقف الذي نص صاحبه صراحة على بلد أو غرض خارجي؛ فشرط الواقف أمانة يجب احترامها. أما الزكاة غير المقيدة والأوقاف المخصصة لعموم الخير، فإن أهل البلاد أولى بها حتى تتحقق كفايتهم.
إننا لا نستطيع إصلاح العالم كله؛ فالعالم له رب يحميه. لكننا نستطيع، بل يجب علينا، أن نحمي الأسرة التي تعيش بيننا.
وقبل تمويل المساكن والمجمعات في الخارج، ينبغي أن تعلن الجهات المختصة أنها بحثت عن كل أسرة محتاجة داخل البلاد، ووفرت لها المسكن أو بدل الإيجار خلال فترة الانتظار، والغذاء والتعليم والحماية من الديون الضرورية.
عندها فقط يصبح الانتقال إلى مساعدة الخارج توسعًا في الخير، لا تقديمًا للأبعد على الأقرب.
المصادر والمراجع: مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، اتفاقية مكافحة الفساد؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقارير التنمية البشرية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment