صنعاء بين التسليم دون قتال والمناورة السياسية- هل بدأ تفكك الحوثيين أم أنها محاولة لكسب الوقت

صنعاء بين التسليم دون قتال والمناورة السياسية: هل بدأ تفكك الحوثيين أم أنها محاولة لكسب الوقت؟

عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 11 أكتوبر 2026

تتداول الأوساط السياسية والإعلامية معلومات عن مفاوضات سرية قد تنتهي بتسليم العاصمة اليمنية صنعاء إلى الحكومة الشرعية دون قتال، مقابل السماح لعدد من القيادات الحوثية بالخروج الآمن إلى سلطنة عُمان. وإذا صحت هذه المعلومات، فإن اليمن قد يكون أمام تحول سياسي وعسكري كبير، وربما بداية نهاية مرحلة امتدت منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014.

لكن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هناك مفاوضات سرية، بل لماذا قد يفكر الحوثيون في تسليم العاصمة الآن، بعد سنوات من الحروب والحصار والضربات الجوية؟ وهل وصلت الجماعة إلى مرحلة الانقسام الداخلي، أم أنها تستخدم المفاوضات وسيلة لتخفيف الضغط العسكري والاحتفاظ بقوتها؟

ظهرت هذه المعلومات في الثامن من أكتوبر 2026، عندما نقلت وسائل إعلام يمنية عن المحلل السياسي العراقي مصطفى كامل، استنادًا إلى مصدر دبلوماسي عربي مجهول، وجود اتصالات بشأن تسليم صنعاء وخروج بعض القيادات الحوثية. وحتى الآن لم يصدر إعلان رسمي يؤكد هذه الترتيبات، ولذلك يجب التعامل معها بوصفها معلومات غير مثبتة، لكنها تستحق التحليل في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة.

فالحرب اليمنية دخلت مرحلة جديدة بعد استئناف العمليات العسكرية الواسعة مطلع أكتوبر، وإعلان الحكومة اليمنية حملة لاستعادة الأراضي التي سيطر عليها الحوثيون، خصوصًا المناطق القريبة من باب المندب والساحل الغربي. وقد رافقت هذه العمليات ضربات جوية سعودية مكثفة، في محاولة لتغيير ميزان القوى الذي ظل لسنوات يسمح للحوثيين بالاحتفاظ بمواقعهم.

ويرى مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، في تحليل نشره في السادس من أكتوبر، أن المملكة العربية السعودية انتقلت من سياسة احتواء الحوثيين إلى محاولة فرض تكلفة عسكرية وسياسية أكبر عليهم، بعد تعثر محاولات التوصل إلى تسوية تفاوضية طويلة الأمد.

هذا التحول مهم، لأن الحوثيين اعتادوا خلال السنوات الماضية الاستفادة من فترات الهدنة لإعادة تنظيم قدراتهم العسكرية، بينما ظلت الحكومة الشرعية تعاني من الانقسامات والتنافس بين القوى المنضوية تحت مظلتها.

غير أن التحول العسكري لا يعني أن صنعاء أصبحت على وشك السقوط. فالمدينة تقع في منطقة جبلية معقدة، وتحيط بها شبكات عسكرية وقبلية وأمنية راكم الحوثيون نفوذهم داخلها طوال أكثر من عقد. ولذلك فإن دخولها بالقوة يختلف تمامًا عن استعادة مواقع ساحلية أو مناطق مفتوحة.

وهنا تظهر أهمية الحديث عن التسليم دون قتال. فلو أمكن الوصول إلى اتفاق حقيقي يضمن انتقال السلطة ويحافظ على مؤسسات الدولة ويمنع اندلاع حرب شوارع داخل العاصمة، فقد تحقق الأطراف المتحاربة نتيجة سياسية يصعب تحقيقها عسكريًا دون خسائر بشرية ومادية هائلة.

لكن الاحتمال الأول، وهو بداية تفكك قيادة الحوثيين، يتطلب مؤشرات أكثر وضوحًا. فقد يؤدي استمرار الضربات العسكرية، وفقدان الموارد، والضغط على طرق الإمداد، وتراجع قدرة الجماعة على دفع الرواتب وتأمين الاحتياجات الأساسية، إلى خلافات داخل صفوفها بشأن استمرار الحرب أو التفاوض.

وقد تفضل بعض القيادات، إن شعرت بأن ميزان القوى يتغير بصورة لا يمكن عكسها، التوصل إلى تسوية تضمن سلامتها الشخصية بدلًا من خوض معركة قد تنتهي بخسارة السلطة والحياة معًا.

ومع ذلك، لا تتوافر حتى الآن أدلة موثوقة على انقسام حاسم داخل القيادة الحوثية أو موافقتها على التخلي عن العاصمة.

أما الاحتمال الثاني، وربما الأكثر انسجامًا مع سلوك الجماعة خلال السنوات الماضية، فهو استخدام المفاوضات للمناورة وكسب الوقت. فالحديث عن تسليم صنعاء قد يخلق توقعات بقرب انتهاء الحرب، ويشجع الأطراف الإقليمية والدولية على المطالبة بوقف العمليات العسكرية، دون أن يكون الحوثيون مستعدين فعلًا لتسليم السلطة أو أسلحتهم.

وفي مثل هذا السيناريو، يصبح مجرد وجود مفاوضات أداة سياسية تخفف الضغط العسكري، وتمنح الجماعة فرصة لإعادة ترتيب مواقعها، وإعادة توزيع قواتها، وتعزيز دفاعاتها، ثم العودة إلى التفاوض من موقع أقوى.

والدليل على أن الحديث عن التسوية لا يعني بالضرورة استعداد الحوثيين للاستسلام، هو استمرار قدرتهم على تنفيذ عمليات عسكرية واسعة. فقد أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم على مطار الرياض الدولي في العاشر من أكتوبر، الذي أوقع قتلى ومئات المصابين، وتبعه هجوم آخر في اليوم التالي وفق ما أوردته رويترز.

هذه التطورات لا تنسجم بسهولة مع فرضية انهيار عسكري وشيك، بل تكشف أن الجماعة لا تزال تمتلك وسائل ضغط مؤثرة تستطيع استخدامها ضد السعودية والمنطقة.

وهناك احتمال ثالث لا يقل أهمية، يتمثل في وجود اتصالات حقيقية مع بعض القيادات الحوثية، ولكن دون موافقة القيادة العليا للجماعة. وفي هذه الحالة قد تكون المفاوضات محاولة لفتح انشقاقات داخلية، أو اختبار استعداد بعض المسؤولين للتخلي عن مواقعهم مقابل ضمانات أمنية وسياسية.

ومن المهم التمييز هنا بين خروج عدد محدود من القيادات وتسليم العاصمة فعليًا. فقد تغادر شخصيات بارزة بينما تبقى الأجهزة العسكرية والأمنية والمالية تحت سيطرة عناصر أخرى موالية للجماعة، وعندها لا تكون السلطة قد انتقلت بصورة حقيقية.

أما الدور الإقليمي، فقد أصبح أكثر تعقيدًا بعد دخول تركيا وباكستان في ترتيبات الدفاع المشترك مع السعودية. وقد أعلنت الدول الثلاث خلال أكتوبر خطوات لتعزيز التعاون العسكري، بينما تحدث وزير الخارجية الباكستاني عن مقترح إيراني لبحث التعامل السياسي مع الحوثيين.

لكن مشاركة تركيا وباكستان في التحالف الدفاعي لا تثبت أنهما تتوليان الوساطة السرية بشأن تسليم صنعاء، كما تزعم الرسائل المتداولة.

وتبقى سلطنة عُمان طرفًا مهمًا بحكم خبرتها في الوساطة بين أطراف الصراع اليمني وعلاقاتها مع مختلف القوى الإقليمية. ومن الناحية السياسية، يمكن أن تكون مسقط مكانًا مناسبًا لمفاوضات أو ترتيبات إنسانية، لكن ذلك لا يعني موافقتها على استقبال قيادات حوثية ضمن صفقة لم يُعلن عنها رسميًا.

ومن زاوية المصالح الخليجية، فإن القضية تتجاوز السيطرة على صنعاء. فقد تحول باب المندب إلى أحد أهم عناصر الضغط الاستراتيجي على صادرات النفط والتجارة الدولية، خاصة مع الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة في مضيق هرمز.

ولهذا فإن أي تسوية تترك للحوثيين القدرة على تهديد باب المندب أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة لن تحقق الأمن المطلوب، حتى لو عادت الحكومة الشرعية إلى العاصمة.

فالنتيجة الحقيقية يجب أن تكون إنهاء قدرة أي جماعة مسلحة مستقلة عن الدولة على التحكم بالممرات البحرية أو استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الدول المجاورة.

وفي المقابل، لا ينبغي تجاهل أن نجاح أي اتفاق يحتاج إلى حكومة يمنية قادرة على إدارة الدولة وتوحيد المؤسسات وتوفير الأمن والخدمات الأساسية. فاستعادة العاصمة دون معالجة الانقسامات السياسية والعسكرية قد تنقل الأزمة من شكل إلى آخر بدلًا من إنهائها.

وفي تقديري، فإن الأخبار المتداولة عن تسليم صنعاء لا تكفي لإعلان بداية انهيار الحوثيين، لكنها قد تعكس مرحلة جديدة من الصراع، أصبح فيها التفاوض جزءًا من المواجهة العسكرية وليس بديلًا عنها.

والمعيار الذي ينبغي مراقبته ليس عدد الأخبار عن المفاوضات السرية، بل ظهور مؤشرات فعلية، مثل وقف الهجمات، وانسحاب القوات، وتسليم المؤسسات، والتوصل إلى ترتيبات أمنية قابلة للتحقق، وإعلان الأطراف المعنية التزامات واضحة.

أما الحديث عن خروج آمن لبعض القيادات دون اتفاق شامل على مستقبل السلاح والسلطة، فقد يكون مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل الجماعة.

وفي النهاية، فإن تسليم صنعاء دون قتال سيكون إنجازًا تاريخيًا إذا أنهى الحرب وأعاد سلطة الدولة وحمى أرواح المدنيين. أما إذا تحول إلى وسيلة لإنقاذ قيادة الحوثيين مع الإبقاء على قوتهم العسكرية، فسيكون مجرد هدنة جديدة تسبق حربًا أخرى.

والفرق بين الاحتمالين كبير. فليس المطلوب تسليم مباني العاصمة فحسب، بل إنهاء الأسباب التي جعلت اليمن ساحة حرب تهدد أمن الخليج وممراته البحرية.

وقد يكون السؤال الأهم اليوم: هل يريد الحوثيون تسليم صنعاء حقًا، أم يريدون أن يعتقد خصومهم أنهم على وشك تسليمها؟

استند التحليل إلى تقارير رويترز بتاريخ 2 و7 و11 أكتوبر 2026، وتحليل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية بتاريخ 6 أكتوبر، وتقرير مكتبة مجلس العموم البريطاني حول اليمن لعام 2026، إضافة إلى الخبر اليمني الأصلي عن المفاوضات غير المؤكدة.

المصادر والمراجع: مجلس الأمن، تقارير فريق الخبراء المعني باليمن؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مراجعة التعافي اليمني 2023–2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟