الاعتزاز الفارسي وصور العداء للعرب

من عقدة الماضي إلى دكّ الخليج بالصواريخ… حين يتحول الاعتزاز الفارسي إلى عداء للعرب

تحليل ثقافي وسياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 15 يوليو 2026

المقدمة

هذا بحث شامل يتناول قضية يجب أن يفهمها أهل الخليج من جوانبها التاريخية والنفسية والسياسية، حتى تتضح الخلفيات الكامنة وراء بعض أنماط التفكير القومي الفارسي تجاه العرب والخليج.

ولا يهدف البحث إلى التعميم على الشعب الإيراني، بل إلى تفسير كيف تحوّل الاعتزاز بالإرث الفارسي لدى بعض التيارات إلى شعور بالتفوق، ثم إلى عداء سياسي وثقافي ساهم في تبرير التهديد والنفوذ واستهداف دول الخليج.

ففهم الصواريخ والمسيّرات لا يكتمل بالنظر إلى الحسابات العسكرية وحدها، بل يتطلب أيضاً فهم الأفكار التاريخية والقومية التي تقف خلفها.

ليس الاعتزاز بالتاريخ خطراً في ذاته، فكل أمة من حقها أن تفخر بتراثها وإنجازاتها. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الاعتزاز إلى شعور بالتفوق على الآخرين، ثم إلى محاولة لتعويض الفشل المعاصر باستحضار أمجاد الإمبراطوريات القديمة.

وهذا ما يمكن ملاحظته لدى بعض التيارات القومية الفارسية في إيران، التي لم تعد تتعامل مع الإرث الفارسي بوصفه تراثاً ثقافياً وإنسانياً فحسب، بل حولته إلى خطاب سياسي يقوم أحياناً على المقارنة المتعالية مع العرب، وعلى تحميلهم مسؤولية سقوط الإمبراطورية الساسانية، بل والنظر إلى الحضور العربي في المنطقة باعتباره انتقاصاً من مكانة إيران التاريخية.

وقد أظهرت دراسات أكاديمية تناولت الخطاب القومي الإيراني، ولا سيما في الفضاء الإلكتروني، وجود ارتباط لدى بعض التيارات بين بناء الهوية الفارسية الحديثة وبين التعبير عن مشاعر معادية للعرب. لكن هذه الظاهرة لا يجوز تعميمها على جميع الإيرانيين، فهي تتفاوت بين النخب القومية وبعض الأوساط الاجتماعية والسياسية.

الماضي المجيد والحاضر المتعثر

تعيش إيران مفارقة قاسية بين صورة تاريخية ضخمة وواقع اقتصادي واجتماعي متراجع. فهي دولة كبيرة من حيث السكان والمساحة والموارد الطبيعية، وتمتلك النفط والغاز والمعادن والقدرات البشرية والموقع الجغرافي، لكنها لم تستطع تحويل هذه الإمكانات إلى ازدهار يوازي حجمها.

العقوبات والعزلة الدولية والإنفاق العسكري وتمويل الحلفاء والجماعات المسلحة وسوء الإدارة وضعت المجتمع الإيراني تحت ضغوط اقتصادية متراكمة. وفي الوقت الذي يطالب فيه المواطن الإيراني بمستوى معيشة أفضل، تستمر الدولة في استثمار جزء كبير من قوتها السياسية والمالية في مشروعات النفوذ الإقليمي.

وهنا يجد الخطاب القومي نفسه أمام سؤال محرج: كيف يمكن لدولة ترى نفسها وريثة واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ أن تعاني أزمات اقتصادية عميقة، بينما تحقق دول عربية خليجية أصغر منها مساحة وسكاناً نجاحاً واسعاً في العمران والطاقة والتجارة والطيران والاستثمار والتعليم والبنية التحتية؟

هذا التناقض بين الماضي المتخيل والحاضر المتعثر قد ينتج شعوراً بالإحباط، وقد يدفع بعض التيارات إلى البحث عن خصم خارجي بدلاً من مواجهة أسباب الفشل الداخلي.

النجاح الخليجي وصدمة المقارنة

لم يكن صعود دول الخليج مجرد نمو اقتصادي عابر، بل كان تحولاً تاريخياً في مركز الثقل داخل المنطقة. فقد أصبحت مدن الخليج واجهات عالمية للاستثمار والطاقة والنقل والخدمات والتكنولوجيا، وأصبحت الدول الخليجية حاضرة في المؤسسات الدولية وفي الأسواق العالمية وفي صناعة القرار الاقتصادي.

أما إيران، على الرغم من عمقها التاريخي وإمكاناتها الكبرى، فقد ظلت محاصرة بالعقوبات والأزمات وسوء العلاقات مع محيطها.

هذه المقارنة لا تمر بسهولة على الخطاب القومي المتشدد. فنجاح العرب الخليجيين لا يهدد إيران عسكرياً فقط، بل يهز الصورة التي بنتها بعض النخب عن التفوق الفارسي الدائم. عندما يرى القومي المتعصب أن دولاً عربية كان ينظر إليها قديماً باستعلاء قد أصبحت أكثر ازدهاراً ونفوذاً وانفتاحاً على العالم، فقد تتحول المقارنة إلى غيرة سياسية ثم إلى عداء.

والحقد هنا لا ينشأ لأن الخليج اعتدى على إيران، بل لأن نجاح الخليج أصبح مرآة تكشف حجم الفرص التي أهدرتها القيادة الإيرانية داخل بلادها.

من الاحتقار الثقافي إلى العداء السياسي

تبدأ الكراهية غالباً بالكلمة قبل أن تصل إلى السلاح. فعندما يُقدَّم العرب في بعض الخطابات القومية باعتبارهم سبب انهيار الحضارة الفارسية، أو شعوباً أقل عمقاً وثقافة، فإن هذه الصورة لا تبقى حبيسة الكتب ومواقع التواصل.

بمرور الوقت، يمكن أن تنتقل إلى التفكير السياسي والعسكري، فتُصوَّر دول الخليج لا بوصفها دولاً ذات سيادة وشعوباً لها حقوقها، بل بوصفها كيانات طارئة أو تابعة للغرب أو عقبات أمام استعادة النفوذ الإيراني.

ولهذا فإن النزاع بين إيران والخليج ليس خلافاً على قواعد عسكرية أو حدود بحرية أو تحالفات دولية فقط، بل يحمل في بعض مستوياته بقايا صراع نفسي وتاريخي حول من يقود المنطقة، ومن يمثل حضارتها، ومن يمتلك المكانة والشرعية والتفوق.

دكّ الخليج بالصواريخ… هل هو تعبير عن الكراهية؟

لا يمكن القول إن كل صاروخ إيراني يُطلق نحو الخليج نابع من الكراهية العرقية وحدها. فالقرارات العسكرية الإيرانية ترتبط أيضاً بعقيدة الردع، والرغبة في الضغط على الولايات المتحدة، واستهداف قواعدها وحلفائها، ورفع تكلفة أي هجوم على إيران، وفرض موقع إيراني في المفاوضات الإقليمية والدولية.

كما تمثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المتكافئة أدوات أساسية في العقيدة الإيرانية لتعويض ضعفها في الطيران التقليدي والقوة البحرية الحديثة، ولبث الضغط النفسي والاقتصادي على خصومها في الخليج.

لكن هذا التفسير العسكري لا ينفي وجود طبقة أعمق من العداء القومي والسياسي. فاختيار الخليج ساحة للتهديد والرد، وتحويل مدنه ومنشآته النفطية ومطاراته وموانئه إلى أهداف محتملة، يعكس أيضاً نظرة إيرانية ترى أن أمن العرب الخليجيين قابل للمساومة، وأن أراضيهم يمكن استخدامها ميداناً لتصفية الحساب بين إيران والقوى الكبرى.

ومن هنا يمكن القول إن دكّ الخليج بالصواريخ لا يصدر عن سبب واحد، بل عن خليط من الحسابات العسكرية والعقيدة السياسية والشعور القومي والتنافس الحضاري. الصاروخ قرار عسكري، لكن البيئة التي تبرره قد تكون مشبعة بخطاب تاريخي ينظر إلى عرب الخليج باعتبارهم خصوماً أقل شأناً، رغم نجاحهم الاقتصادي والسياسي.

لماذا لا تُوجَّه الصواريخ إلى أسباب الفشل؟

بدلاً من توجيه موارد إيران إلى إصلاح الاقتصاد وتطوير الجامعات والصناعة والخدمات والبنية التحتية، اختارت القيادة الإيرانية بناء ترسانة صاروخية وشبكات إقليمية مسلحة.

وبدلاً من أن تسأل لماذا نجحت دول الخليج في بناء موانئ ومطارات ومدن حديثة وصناديق استثمار عالمية، يصور الخطاب المتشدد هذا النجاح أحياناً على أنه نتيجة الحماية الغربية أو الثروة النفطية وحدها.

لكن إيران نفسها تمتلك النفط والغاز والموانئ والموقع والسكان والثروات الطبيعية. ولذلك لا يمكن تفسير الفارق بالموارد فقط، بل بطريقة إدارة الدولة، وعلاقاتها الدولية، وأولوياتها الاقتصادية، وحجم الأموال المخصصة للمواجهة والنفوذ العسكري.

إن الصاروخ لا يعالج البطالة، والمسيّرة لا ترفع قيمة العملة، والتهديد لا يبني مدرسة أو مستشفى أو مصنعاً. لكنه يمنح السلطة عدواً خارجياً تستطيع أن تعلق عليه نتائج أخطائها.

الخليج بوصفه هدفاً نفسياً

الخليج ليس مجرد موقع جغرافي مجاور لإيران، بل يمثل في المخيلة السياسية الإيرانية المتشددة تحدياً نفسياً وحضارياً.

فهو عربي، وغني، ومتصل بالاقتصاد العالمي، ويقيم علاقات واسعة مع الشرق والغرب، ويمتلك تأثيراً يفوق حجمه السكاني. كما أن نجاحه يتناقض مع الخطاب الذي حاول طويلاً تصوير العرب باعتبارهم عاجزين عن بناء الدولة الحديثة.

ولهذا فإن ضرب الخليج أو تهديده لا يهدف دائماً إلى تدمير منشأة عسكرية فقط، بل إلى كسر صورة الأمن والازدهار، وإثبات أن إيران قادرة على تعطيل نجاح جيرانها إن لم تستطع منافستهم فيه.

إنها رسالة تقول: ما دمنا لا نستطيع أن نعيش حالة الاستقرار والازدهار نفسها، فإننا نستطيع على الأقل رفع تكلفتها عليكم.

وهذا أخطر ما في العقلية القائمة على الغيرة القومية؛ فهي لا تسعى دائماً إلى اللحاق بالناجح، بل قد تسعى إلى تعطيله.

الشعب الإيراني ليس عدواً

مع ذلك، يجب عدم الوقوع في الخطأ نفسه الذي ننتقده. فلا يجوز مواجهة القومية الفارسية المتطرفة بكراهية مضادة تجاه الإيرانيين أو الفرس.

الشعب الإيراني نفسه يدفع ثمناً كبيراً لسياسات السلطة والعقوبات والحروب، ويضم قوميات ومذاهب واتجاهات فكرية متعددة. وفي داخله ملايين المواطنين الذين يريدون علاقات طبيعية مع دول الخليج وفرصاً للعمل والتجارة والسفر والازدهار، ولا يحملون مشروعاً عدائياً تجاه العرب.

المشكلة ليست في الشعر الفارسي، ولا في تاريخ إيران، ولا في الشعب الإيراني، بل في تحويل التاريخ إلى عقيدة تفوق، وتحويل القومية إلى مبرر للهيمنة، وتحويل الإحباط الاقتصادي إلى صواريخ تُوجَّه إلى الجيران.

المطلوب خليجياً

على دول الخليج ألا تتعامل مع الخطر الإيراني على أنه مسألة عسكرية فقط. فأنظمة الدفاع الجوي ضرورية، لكن الصراع يحمل كذلك أبعاداً ثقافية وإعلامية ونفسية واقتصادية.

المطلوب بناء خطاب خليجي يعرّف العالم بتاريخ العرب وإنجازاتهم الحديثة، ويكشف التناقض بين ادعاء الدفاع عن الشعوب وبين ضرب مدنها وموانئها ومنشآتها.

كما يجب تعزيز الوحدة الدفاعية الخليجية، لأن إيران تراهن على تفرّق المواقف وعلى التعامل مع كل دولة بصورة منفصلة. وكلما توحدت أنظمة الإنذار والدفاع والقيادة والسياسة الخارجية، ضعفت قدرة الصواريخ على تحقيق أثرها السياسي والنفسي.

وفي الوقت نفسه، يجب إبقاء الباب مفتوحاً أمام الشعب الإيراني، وتشجيع العلاقات الثقافية والإنسانية التي تفصل بين المجتمع وبين مشروع الهيمنة.

الخاتمة

حين يتحول الاعتزاز بالإرث الفارسي إلى اعتقاد بالتفوق، وحين يتحول النجاح الخليجي إلى مصدر للإحباط والغيرة، يصبح التاريخ وقوداً للصراع بدلاً من أن يكون جسراً بين الشعوب.

ودكّ الخليج بالصواريخ لا يمكن اختزاله في الكراهية وحدها، لكنه لا ينفصل تماماً عن بيئة قومية وسياسية ترى نجاح العرب تحدياً لمكانة إيران، وترى أمن الخليج أداة للضغط والمساومة.

لقد كان من الممكن لإيران أن تنافس الخليج بالاقتصاد والتعليم والصناعة والتجارة. لكنها اختارت في مراحل كثيرة المنافسة بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء.

وهنا يظهر الفارق بين مشروعين: مشروع يحاول إثبات نفسه ببناء المدن والاقتصاد والعلاقات الدولية، ومشروع يريد إثبات عظمته باستحضار الماضي وتهديد الجيران.

فالحضارة الحقيقية لا تثبت عظمتها بدكّ مدن الآخرين، بل بقدرتها على بناء حاضر يليق بتاريخها.

المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟