الخليج بعد هرمز- عصر الممرات الدولية

الخليج بعد هرمز… هل يبدأ عصر الممرات الدولية لا عصر الدول المتحكمة؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 13 مايو 2026

كما ذكرنا سابقًا في المقالات التي كتبناها عن مضيق هرمز، فإن العالم لن يقبل على المدى الطويل أن يبقى أحد أهم شرايين التجارة والطاقة الدولية تحت تهديد الإغلاق أو الرسوم أو التوترات السياسية المتكررة. واليوم تبدأ المؤشرات الدولية تؤكد أن هذا الاستشراف لم يكن بعيدًا عن الواقع، بعد الحديث عن تفاهم أمريكي–صيني بعدم السماح بفرض رسوم على الملاحة في مضيق هرمز.

إذا صحّ هذا التوجه فهو يحمل دلالات أعمق من مجرد حماية سفن أو رفض “رسوم عبور”. لأن المعنى الحقيقي هنا أن القوى الكبرى بدأت تنظر إلى مضيق هرمز كممر دولي لا يجوز أن يبقى تحت قدرة الضغط السياسي أو العسكري من أي طرف إقليمي.

الصين تحديدًا عنصر مهم في هذا التحول. فبكين لعقود كانت تفضل التوازن والهدوء وعدم التورط المباشر في أزمات المنطقة. لكنها اليوم ترى أن أي اضطراب طويل في هرمز يهدد مصانعها ونموها الاقتصادي وسلاسل الإمداد القادمة من الخليج. وحين تلتقي المصالح الأمريكية والصينية في نقطة واحدة، فهذا يعني أن الملف تجاوز الخلافات التقليدية بين القوتين وأصبح متعلقًا باستقرار الاقتصاد العالمي نفسه.

المسألة هنا ليست “فتح المضيق” فقط… بل منع فكرة التحكم بالمضيق أصلًا. فالعالم لم يعد يريد أن يعيش كل عدة سنوات تحت تهديد إغلاق أو رسوم أو تصعيد يرفع التأمين وأسعار الشحن والطاقة. لذلك بدأت تتشكل تدريجيًا فلسفة جديدة: الممرات البحرية الكبرى يجب أن تصبح شبه محايدة دوليًا مهما كانت التوترات السياسية.

ومن يراقب التحركات الأخيرة يلاحظ أن الحديث لم يعد عن حرب مؤقتة أو أزمة عابرة، بل عن إعادة تشكيل الجيوبولتيك البحري للخليج بالكامل. وجود بحري دولي أوسع، تنسيق اقتصادي عالمي، ضغوط سياسية، وربما مستقبلًا ترتيبات أمنية دائمة تجعل المضيق تحت رقابة دولية غير معلنة حتى لو بقيت السيادة الجغرافية كما هي.

وفي المقابل، تتسارع مشاريع الأنابيب والبدائل البرية واللوجستية. ليس لأن العالم يريد الاستغناء الكامل عن هرمز، فهذا شبه مستحيل، بل لأنه يريد تقليل قدرة أي طرف على تحويل المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية. وهنا نفهم لماذا تتجه دول الخليج منذ سنوات لتوسيع الموانئ وخطوط الأنابيب والربط اللوجستي مع البحر الأحمر وبحر العرب.

لكن المفارقة الكبرى أن العالم لا يستطيع إلغاء هرمز. فالمضيق لا ينقل النفط والغاز فقط، بل تمر عبره تجارة عالمية وبضائع وسفن وحاويات وسلاسل إنتاج كاملة. لذلك أصبح الهدف الحقيقي ليس إيجاد بديل له… بل تحريره اقتصاديًا وسياسيًا من منطق الابتزاز والتوتر الدائم.

وربما نحن اليوم أمام بداية مرحلة تاريخية جديدة في الخليج. مرحلة لا يكون فيها السؤال: من يغلق المضيق؟ بل: كيف يُمنع أصلًا أي طرف من التفكير بإغلاقه مستقبلاً؟

وهنا تتغير المنطقة كلها. لأن الخليج الذي عاش عقودًا تحت معادلة “الخوف من إغلاق هرمز” قد يدخل تدريجيًا عصرًا مختلفًا… عصر الممرات الدولية المفتوحة بالقوة الاقتصادية العالمية لا بالتوازنات الإقليمية القديمة.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟