هرمز يدخل مرحلة جديدة- المسار العُماني يكسر احتكار إيران للمضيق

هرمز يدخل مرحلة جديدة: المسار العُماني يكسر احتكار إيران للمضيق

تحليل سياسي واقتصادي

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 19 أغسطس 2026

دخل الصراع حول مضيق هرمز مرحلة جديدة تختلف عما كان عليه خلال الأشهر الأولى من الحرب. فلم تعد القضية محصورة في سؤال: هل تستطيع إيران إغلاق المضيق أم لا؟ بل أصبحت تدور حول سؤال أكثر أهمية: من يحدد المسار الذي تسلكه السفن، ومن يستطيع حمايتها، ومن يفرض قواعد العبور داخل هذا الممر الاستراتيجي؟

التحول الأبرز يتمثل في انتقال معظم السفن التي ما زالت تعبر المضيق إلى المسار المحاذي للساحل العُماني. ووفق بيانات شركة «كبلر» المتخصصة في تتبع حركة السفن، استخدمت أكثر من 80% من عمليات العبور خلال الأسبوعين الماضيين المسار العُماني، في تغير كبير عن الوضع الذي كان قائمًا قبل شهر، حين كانت الحركة التجارية في ذلك الجانب محدودة للغاية.

هذا التحول لا يعني أن الملاحة عادت إلى طبيعتها، لكنه يعني أن إيران لم تعد قادرة على فرض مسارها باعتباره الطريق الوحيد للعبور.

إيران تخسر احتكارها الجغرافي

بنت إيران جزءًا كبيرًا من قوتها السياسية والعسكرية في الخليج على فكرة أنها تستطيع التحكم في مضيق هرمز، وأن أي سفينة تمر عبره تظل عمليًا تحت مراقبة قواتها البحرية والحرس الثوري.

كانت طهران تستخدم القرب الجغرافي من السفن، والجزر التي تسيطر عليها، والزوارق السريعة والطائرات المسيّرة والصواريخ الساحلية، لإقناع العالم بأنها صاحبة اليد العليا في المضيق. كما سعت خلال الحرب إلى تحويل هذا النفوذ العسكري إلى سلطة سياسية ومالية، تسمح لها بتحديد السفن التي تعبر، وربما فرض رسوم أو شروط عليها.

لكن انتقال معظم السفن المرصودة إلى الجانب العُماني يضرب جوهر هذه المعادلة. فالمسار الجديد يؤكد أن المضيق ليس ممرًا إيرانيًا، بل ممر دولي تتقاسم ضفتيه إيران وسلطنة عُمان، وتخضع الملاحة فيه لقواعد دولية لا لإرادة دولة واحدة.

كما أن المنظمة البحرية الدولية توضح أن نظام فصل حركة السفن في هرمز اعتُمد منذ عام 1968 بناءً على ترتيبات شاركت فيها إيران وعُمان. ولذلك فإن عبور السفن قرب الساحل العُماني لا يمثل التفافًا غير قانوني، بل استخدامًا لمسار بحري معترف به دوليًا. المنظمة البحرية الدولية

تراجع السيطرة لا يعني سقوط الخطر الإيراني

يجب ألا نقع في مبالغة مقابلة، فنعلن أن إيران فقدت المضيق كليًا أو أن الملاحة أصبحت آمنة. الواقع أكثر تعقيدًا.

إيران لا تزال تمتلك القدرة على تهديد السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق والألغام البحرية. كما تستطيع مهاجمة السفن بعد خروجها من المسار الإيراني أو حتى بالقرب من الجانب العُماني. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن مجرد وجود ممر دولي لا يمنع الهجمات ولا يلغي مخاطر التأمين والشحن.

وعندما تتردد شركات الشحن في إرسال ناقلاتها، فإن إيران تحقق جزءًا من هدفها حتى لو لم تتمكن من منع كل سفينة من العبور. فالردع لا يعني السيطرة المادية الكاملة؛ بل يمكن أن يتحقق أيضًا من خلال نشر الخوف ورفع تكلفة المخاطرة.

لذلك فإن القول إن إيران فقدت «السيطرة الكاملة» على هرمز صحيح، أما القول إنها فقدت قدرتها على تهديد المضيق فغير صحيح حتى الآن.

الملاحة ما زالت بعيدة عن وضعها الطبيعي

رقم 80% قد يوحي للوهلة الأولى بأن حركة السفن أصبحت طبيعية، لكن الحقيقة مختلفة. هذه النسبة تخص توزيع السفن القليلة التي عبرت خلال فترة محددة بين المسارين العُماني والإيراني، ولا تعني أن 80% من حركة الملاحة السابقة قد عادت.

بيانات «كبلر» التي نشرتها رويترز أظهرت عبور ست سفن للسلع الأساسية فقط يوم 18 أغسطس، مقابل تسع سفن في اليوم السابق ومتوسط حديث يقارب 11 سفينة يوميًا. وقبل الحرب كان المضيق يستقبل نحو 130 إلى 140 سفينة يوميًا وفق تقديرات حركة الشحن. رويترز

إذن نحن أمام تغير مهم في اتجاه الملاحة، لكننا لسنا أمام عودة حقيقية إلى مستوياتها السابقة.

لقد نجح المسار العُماني في كسر فكرة الإغلاق الإيراني الكامل، لكنه لم ينجح بعد في استعادة الثقة التجارية. وشركات الشحن لا تنظر فقط إلى وجود ممر مفتوح، بل إلى احتمال تعرض السفن للهجوم، وتكلفة التأمين، وإمكانية إنقاذ الطواقم، وتوافر الحماية العسكرية طوال الرحلة.

لا إيران تسيطر كليًا ولا أمريكا تسيطر كليًا

تعلن طهران أن مضيق هرمز لا يزال تحت إدارتها، بينما تؤكد واشنطن أنها أصبحت صاحبة السيطرة الكاملة عليه. إلا أن الوقائع لا تؤيد الادعاءين بصورة مطلقة.

لو كانت إيران تسيطر فعلاً على المضيق لما تمكنت معظم السفن العابرة من استخدام المسار العُماني رغم اعتراضها. ولو كانت الولايات المتحدة تسيطر عليه سيطرة كاملة، لعادت حركة ناقلات النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية، ولانخفضت مخاطر الهجمات والتأمين.

ما يجري حاليًا هو نوع من السيطرة المجزأة:

إيران تملك قدرة التخريب والتهديد، والولايات المتحدة تملك قوة الرد والمراقبة والحماية، وعُمان تملك الموقع القانوني والجغرافي الذي يسمح بإنشاء مسار يقلل النفوذ الإيراني، بينما تمتلك شركات الشحن القرار النهائي بشأن المخاطرة بالعبور أو الانتظار.

هذه المعادلة تعني أن المضيق لم يعد خاضعًا لقوة واحدة، بل أصبح ساحة تنازع عسكري وقانوني وتجاري.

عُمان تنتقل من الوساطة إلى الجغرافيا الفاعلة

كان الدور العُماني في الأزمات الخليجية يُقدَّم غالبًا باعتباره دور الوسيط السياسي الذي يحتفظ بعلاقات مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج. أما اليوم، فقد أصبح الموقع الجغرافي العُماني نفسه جزءًا مباشرًا من معادلة القوة.

المسار المحاذي للساحل العُماني لا يمنح السلطنة بالضرورة سيطرة عسكرية على المضيق، لكنه يمنحها وزنًا قانونيًا وسياسيًا أكبر. فلم يعد من الممكن مناقشة مستقبل هرمز بين واشنطن وطهران وحدهما، لأن عُمان أصبحت طرفًا أساسيًا في أي ترتيبات ملاحية جديدة.

لكن هذا الدور يفرض أيضًا مسؤولية كبيرة على السلطنة. ففتح مسار قريب من سواحلها يحتاج إلى مراقبة دائمة، وضمانات أمنية، وقدرات للإنقاذ البحري، وتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية والقوى البحرية الموجودة في المنطقة.

إنشاء المسار أسهل من ضمان استمراره. والاختبار الحقيقي ليس عبور عدد محدود من السفن، بل قدرة الممر العُماني على استقبال ناقلات النفط والغاز العملاقة بصورة منتظمة وآمنة.

التداعيات على دول الخليج

التطور الجديد يمنح الدول الخليجية فرصة مهمة، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا أيضًا. الفرصة تتمثل في كسر الاحتكار الإيراني للمضيق وإثبات أن طهران لا تستطيع وحدها تقرير مصير صادرات الخليج.

أما التحذير فهو أن دول الخليج لا يجوز أن تنتقل من الاعتماد على حسن نية إيران إلى الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية أو على ممر واحد قريب من عُمان.

المطلوب هو بناء منظومة خليجية متكاملة تشمل حماية السفن، وتبادل المعلومات والرصد، وتوسيع خطوط الأنابيب المتجهة إلى البحر الأحمر وبحر العرب، وزيادة التخزين خارج الخليج، وتطوير موانئ بديلة، وتنظيم عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى خارج منطقة الخطر.

إن كسر السيطرة الإيرانية على هرمز إنجاز مهم، لكنه لا يمثل حلًا نهائيًا لمشكلة اعتماد اقتصادات الخليج على مضيق ضيق يمكن تعطيله بالصواريخ أو الألغام أو حتى بمجرد التهديد.

الوضع الجديد في هرمز

الوضع الجديد يمكن اختصاره في أربع حقائق واضحة:

أولًا، إيران لم تعد قادرة على فرض نفسها بوصفها صاحبة السيطرة المنفردة على المضيق.

ثانيًا، المسار العُماني تحول إلى أداة عملية لكسر الإغلاق والعبور بعيدًا عن الشروط الإيرانية.

ثالثًا، الولايات المتحدة تستطيع حماية بعض السفن وردع بعض الهجمات، لكنها لم تتمكن حتى الآن من إعادة الملاحة الطبيعية كاملة.

رابعًا، بقاء عدد السفن منخفضًا يعني أن معركة هرمز لم تُحسم، وإنما انتقلت من مرحلة الإغلاق المباشر إلى مرحلة الممرات المتنافسة والحماية العسكرية والضغط الاقتصادي.

الخاتمة

تحول أكثر من 80% من السفن المرصودة إلى المسار العُماني ليس مجرد تغيير فني في خرائط الملاحة، بل تحول سياسي واستراتيجي في معادلة هرمز. فقد سقط الادعاء الإيراني بأن المضيق تحت سيطرتها المطلقة، وظهر للمرة الأولى مسار قادر على تقليص نفوذها وتحويل الضفة العُمانية إلى عنصر فاعل في أمن الطاقة العالمي.

لكن المعركة لم تنتهِ. فإيران ما زالت قادرة على إطلاق النار، والولايات المتحدة ما زالت عاجزة عن ضمان العبور الطبيعي، وشركات الشحن ما زالت ترى المضيق منطقة حرب مرتفعة المخاطر.

لقد خسر الإيرانيون احتكار السيطرة، لكن الخليج لم يربح الأمن الكامل بعد. والمرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان المسار العُماني بداية لتحرير الملاحة نهائيًا، أم مجرد نافذة ضيقة تعبر منها بعض السفن تحت حماية السلاح وفي انتظار المواجهة التالية.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟