لماذا لا تنشئ دول الخليج شركات عملاتها المستقرة

لماذا لا تنشئ دول الخليج شركات عملاتها المستقرة؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 19 سبتمبر 2026

في 18 يوليو 2025 وقّعت الولايات المتحدة قانون GENIUS Act لتنظيم العملات المستقرة المرتبطة بالدولار، وألزم القانون مصدري عملات الدفع المستقرة الخاضعين له بتغطيتها باحتياطيات مؤهلة بنسبة واحد إلى واحد، يمكن أن تشمل النقد وأذون الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل. كما وضع قواعد للرقابة والإفصاح والاسترداد، بما يجعل العملات المستقرة الدولارية جزءًا أكثر تنظيمًا من النظام المالي الأمريكي.

هذا القانون لا يهم الولايات المتحدة وحدها، بل يجب أن تهتم به دول الخليج أيضًا، لأن أمريكا لم تعد تنظر إلى العملات المستقرة باعتبارها مجرد ظاهرة مرتبطة بسوق العملات المشفرة، بل باعتبارها وسيلة جديدة يمكن من خلالها توسيع انتشار الدولار وزيادة الطلب على الأصول المالية الأمريكية.

لفهم ذلك ببساطة، تخيل شخصًا في قطر أو الهند أو الأرجنتين يريد الاحتفاظ بالدولار، لكنه لا يريد فتح حساب مصرفي أمريكي. يستطيع شراء USDT أو USDC والاحتفاظ بما يشبه الدولار الرقمي في هاتفه. وعندما يشتري ملايين الأشخاص هذه العملات، تتجمع لدى الشركات المصدرة احتياطيات ضخمة تقابل العملات التي أصدرتها.

هذه الاحتياطيات لا تبقى بالضرورة أموالًا ساكنة. يستطيع المصدر، ضمن القواعد التي يخضع لها، الاحتفاظ بجزء كبير منها في أصول قصيرة الأجل وعالية السيولة، ومن أهمها أذون الخزانة الأمريكية.

وهنا تكمن قوة النموذج.

لنفترض أن شركة عملات مستقرة أصدرت ما قيمته عشرة مليارات دولار، وأن متوسط العائد على محفظة احتياطياتها بلغ، كمثال حسابي، 4% سنويًا. نحن نتحدث عن دخل إجمالي نظري يصل إلى 400 مليون دولار في السنة قبل تكاليف التشغيل والامتثال والسيولة والتكنولوجيا وغيرها.

العميل يحتفظ بعملته الرقمية التي تستهدف البقاء عند دولار واحد، بينما الشركة تحصل على العائد الذي تحققه الاحتياطيات.

وهذا يقود إلى سؤال أعتقد أن دول الخليج يجب أن تبدأ في طرحه: إذا كان هذا النشاط سينمو إلى صناعة عالمية ضخمة، فلماذا تترك المنطقة معظمه لشركات أجنبية؟

دول الخليج من كبار المستثمرين عالميًا، وتمتلك احتياطيات وصناديق سيادية ضخمة. ومن بين الأدوات التي يمكن للمؤسسات الخليجية الاستثمار فيها أذون وسندات الخزانة الأمريكية. في هذا النموذج تكون الأموال المستثمرة أموالًا حكومية أو سيادية، وتتحمل الجهة الخليجية الاستثمار مباشرة وتحصل على عائده.

لكن العملات المستقرة تفتح نموذجًا تجاريًا مختلفًا تمامًا.

تخيل شركة خليجية خاصة أو شبه حكومية، مرخصة وخاضعة لرقابة صارمة، تصدر عملة مستقرة بالدولار. يأتي العملاء من أنحاء العالم ويضعون لديها عشرة مليارات دولار مقابل عشرة مليارات وحدة رقمية. هذه الأموال ليست أموال الحكومة الخليجية، وإنما احتياطيات تقابل العملات التي اشتراها العملاء.

تستطيع الشركة، وفق ما يسمح به النظام الرقابي، وضع جزء من هذه الاحتياطيات في أذون الخزانة الأمريكية والحصول على عائدها.

وهنا يتغير مصدر الأموال.

بدل أن تقول الدولة: سأستخدم عشرة مليارات دولار من أموالي السيادية لشراء أذون الخزانة الأمريكية، تستطيع شركة خليجية أن تجذب عشرة مليارات دولار من مستخدمي العملة المستقرة حول العالم، ثم تستثمر الاحتياطيات وفق نظام قانوني صارم.

وهذا لا يعني أن العملات المستقرة أكثر أمانًا من امتلاك الحكومة لأذون الخزانة مباشرة. فالشركة تضيف مخاطر تشغيلية وتنظيمية وتكنولوجية ومخاطر سيولة يجب إدارتها. لكن النموذج يمكن أن يكون بديلًا تجاريًا أكثر كفاءة لاستخدام الأموال الحكومية نفسها في بناء التعرض ذاته لأذون الخزانة، لأن رأس المال الذي يكوّن الاحتياطيات يأتي أساسًا من مستخدمي العملة المستقرة.

والأهم أن النشاط الاقتصادي الناتج عن ذلك يمكن أن يبقى داخل الخليج. الشركة الخليجية تحصل على جزء من العائد، وتوظف المتخصصين، وتبني التكنولوجيا، وتدير المحافظ والاحتياطيات، وتطور شبكات الدفع والتحويل، بينما يصبح المركز المالي الخليجي جزءًا من حركة الدولار الرقمية العالمية.

وبذلك تتحول العلاقة التقليدية من مجرد حكومة خليجية تشتري الدين الأمريكي إلى علاقة أكثر تطورًا: مستخدمون من أنحاء العالم يشترون عملة مستقرة، وشركة خليجية تدير احتياطياتها، وجزء من الاحتياطيات يذهب إلى أذون الخزانة، بينما يبقى النشاط التجاري والعائد والخبرة المالية في المنطقة.

لكن الفرصة الأكبر قد لا تكون في إصدار دولار رقمي خليجي فقط.

لماذا لا يكون هناك أيضًا ريال قطري رقمي أو ريال سعودي رقمي أو درهم إماراتي رقمي تصدره مؤسسات مرخصة، إذا قررت البنوك المركزية الخليجية السماح بذلك؟

يمكن أن تكون الوحدة الرقمية الواحدة مساوية لريال واحد وقابلة للاسترداد به وفق قواعد صارمة، تمامًا كما تستهدف العملات المستقرة الدولارية المحافظة على قيمتها مقابل الدولار.

اليوم، إذا أراد شخص في قطر الدخول إلى عالم العملات المستقرة، فإن الطريق قد تبدأ من الريال القطري ثم تنتقل إلى USDT أو USDC قبل أن تتحرك الأموال إلى الخارج. ومع انتشار هذه العملات قد يصبح الدولار الرقمي هو الجسر الطبيعي الذي يستخدمه الناس بين اقتصاداتهم والعالم.

وهنا يوجد خطر هادئ على العملات الخليجية لا يتعلق بانهيار قيمتها، وإنما بانخفاض استخدامها.

فالريال القطري قد يبقى عند 3.64 مقابل الدولار، لكن إذا بدأ الناس يستخدمون الدولار الرقمي في التحويل والادخار والتجارة الإلكترونية والمعاملات الدولية، فإن جزءًا من الوظائف التي تؤديها العملة المحلية ينتقل تدريجيًا إلى الدولار الرقمي.

لذلك فإن المسألة ليست منافسة الدولار. معظم العملات الخليجية مرتبطة به أصلًا، والكويت تستخدم سلة عملات. القضية هي من يملك البنية المالية التي ستتحرك عبرها الأموال في المستقبل.

الولايات المتحدة أدركت ذلك. فقانون GENIUS لا يحاول إيقاف العملات المستقرة، وإنما إدخالها في إطار قانوني يستطيع أن يخدم الدولار والنظام المالي الأمريكي. وكلما ازداد الطلب العالمي على العملات المستقرة الدولارية، ازدادت الاحتياطيات التي تحتاجها الشركات المصدرة، ويمكن أن يتحول جزء من هذه الاحتياطيات إلى طلب على أذون الخزانة الأمريكية.

وهكذا يستطيع شخص في آسيا أو الخليج أو أمريكا اللاتينية أن يساهم بصورة غير مباشرة في تمويل الدين الأمريكي، من دون أن يعرف حتى أنه فعل ذلك. هو اشترى دولارًا رقميًا، لكن الشركة التي أصدرت هذا الدولار هي التي اشترت أذون الخزانة.

وهنا تكمن الفرصة الخليجية.

دول الخليج لديها المال والثقة والبنوك والمراكز المالية والبنية التكنولوجية والعلاقات الدولية. ما تحتاجه هو إطار قانوني واضح يسمح بإنشاء شركات عملات مستقرة قوية، مع احتياطيات كاملة، وتدقيق مستقل، وحق واضح في الاسترداد، ورقابة مصرفية صارمة، ومكافحة غسل الأموال، وأمن إلكتروني على أعلى مستوى.

فالعملة المستقرة لا تنجح لأن وراءها تطبيقًا جميلًا أو شبكة بلوكتشين سريعة. إنها تنجح عندما يثق حاملها بأن الوحدة التي في هاتفه يمكن أن تتحول عند الطلب إلى المال الذي تمثله.

ولهذا يجب ألا يكون سؤال الخليج في السنوات المقبلة: هل نسمح لمواطنينا وشركاتنا باستخدام USDT وUSDC؟

السؤال الأهم هو: لماذا نترك الشركات الأجنبية تجمع الأموال العالمية وتدير الاحتياطيات وتحصل على العوائد، بينما نملك نحن القدرة المالية والمؤسساتية على الدخول في الصناعة نفسها؟

لقد كانت دول الخليج لعقود من كبار أصحاب رؤوس الأموال المستثمرة في النظام المالي العالمي. أما العملات المستقرة فتفتح أمامها بابًا مختلفًا: ألا تكون فقط مالكة للأموال التي تستثمرها، بل مالكة أيضًا للشركات والمنصات والبنية المالية التي تجمع أموال الآخرين وتديرها.

وهذا قد يكون أحد التحولات المهمة في الاقتصاد الخليجي القادم: الانتقال من مجرد استثمار الأموال الحكومية في الأسواق العالمية إلى بناء مؤسسات مالية خليجية تستطيع جذب أموال العالم وإدارتها من الخليج نفسه.

المصادر والمراجع: اليونسكو، التوصية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021)؛ منظمة الصحة العالمية، مرصد الصحة العالمي.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟