أموال الزكاة والأوقاف لأهل المجتمع وليست أداةً للسياسة الناعمة

أموال الزكاة والأوقاف لأهل المجتمع… وليست أداةً للسياسة الناعمة

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 4 سبتمبر 2026

أموال الزكاة والأوقاف والتبرعات الخيرية جُمعت ونمت وتكاثرت داخل المجتمع، من أموال المواطنين والمقيمين، ومن أعمالهم وتجارتهم ومدخراتهم وعرق جبينهم. ولذلك يجب أن يعود نفعها إلى المجتمع الذي أنشأها، وأن تُصرف على المواطن والمقيم المحتاج داخل الدولة، قبل التفكير في إرسال ريال واحد منها إلى الخارج.

كما أن جانبًا كبيرًا من الأوقاف يعود إلى أجدادنا الذين أوقفوا عقاراتهم وأراضيهم وثرواتهم لتبقى منفعتها ممتدة إلى أبنائهم وأحفادهم وأهل مجتمعهم. لقد وضعوا هذه الأموال أمانة لدى إدارات الأوقاف والجهات المشرفة عليها لكي يُعان بها الفقير والمريض والمدين والأرملة واليتيم، لا لكي تُستخدم في بناء النفوذ السياسي أو تحسين صورة المؤسسات والدول أمام الخارج.

هذه الأموال ليست ميزانية بديلة للمساعدات الخارجية، وليست ملكًا للإدارات والمؤسسات التي تشرف عليها حتى تتصرف فيها وفق رغباتها. إنها أمانة وحقوق شرعية واجتماعية، ومهمتها الأولى حماية المحتاجين داخل المجتمع، ومعالجة الفقر والديون والمرض والعجز ومشكلات السكن والتعليم والحاجات المعيشية الأساسية.

على المؤسسات أن تبحث عن المحتاج

من الأخطاء التي يجب تصحيحها أن يُترك الفقير والمحتاج يطرق أبواب المؤسسات الخيرية، ويحمل ملفاته وتقاريره، ويكشف أدق تفاصيل حياته المالية والأسرية، ثم ينتظر أسابيع أو أشهر للحصول على المساعدة. وقد يشعر في النهاية بأنه يستجدي حقًا خُصص أساسًا لمساعدته.

الأصل أن تبحث إدارات الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية عن المحتاج، لا أن يُترك المحتاج يبحث عنها ويستجديها.

هذه المؤسسات تمتلك الأموال والموظفين والوسائل الإدارية، وتستطيع التنسيق مع الجهات الحكومية والمستشفيات والمدارس والمحاكم والبلديات والمؤسسات الاجتماعية للوصول إلى الأسر المتعففة والمدينين والمرضى وكبار السن والأرامل والأيتام وأصحاب الدخول المحدودة.

وكثير من المحتاجين لا يطلبون المساعدة حفاظًا على كرامتهم، أو لعدم معرفتهم بالإجراءات، أو خوفًا من كشف ظروفهم. ولهذا لا يكفي انتظار الطلبات خلف المكاتب، بل يجب إنشاء فرق للبحث الاجتماعي الميداني تصل إلى المحتاجين، وتدرس أوضاعهم، وتعرض المساعدة عليهم بطريقة تحفظ كرامتهم وخصوصيتهم.

المواطن والمقيم من أهل المجتمع

عندما نقول إن أموال الخير يجب أن تبقى داخل الدولة، فإن ذلك يشمل المواطن والمقيم المحتاج. فالمقيم يعيش داخل المجتمع، ويعمل فيه، ويساهم في اقتصاده، وقد يتعرض لمرض أو حادث أو فقدان وظيفة أو عجز عن إعالة أسرته.

لا يجوز أن ننقل المال إلى محتاج بعيد، بينما يعيش بيننا عامل عاجز عن دفع تكاليف علاجه، أو أسرة مقيمة فقدت مصدر دخلها، أو مواطن أثقلته الديون، أو أرملة لا تستطيع الوفاء بالتزامات أبنائها.

فالقريب الذي يعيش بيننا، ونرى معاناته ونعرف ظروفه، أولى بالرعاية من مشروعات بعيدة قد لا نعرف بدقة كيف أُنفقت أموالها، أو مقدار ما استُهلك منها في الإدارة والوسطاء، أو من وصل إليه نفعها الحقيقي.

لا أموال للخارج قبل إثبات خلو الداخل من الحاجة

يجب أن يصدر قانون واضح يمنع مؤسسات الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية من إرسال أموالها إلى الخارج، إلا بعد إجراء بحث شامل وموثق داخل الدولة، والتأكد من عدم وجود فقير أو مدين أو مريض أو محتاج مستحق لم تُلبَّ حاجته.

وقبل السماح لأي مؤسسة بإرسال المال إلى الخارج، يجب أن تقدم الجهات المسؤولة عن الأوقاف وشؤون الزكاة والجمعيات الخيرية إقرارًا رسميًا بأنها بحثت في جميع مناطق الدولة، وراجعت الحالات المسجلة لدى الجهات المختصة، ولم تجد مواطنًا أو مقيمًا مستحقًا لم يحصل على حاجته.

ولا يكفي أن تقول المؤسسة: «لم يتقدم إلينا أحد». فوظيفتها ليست انتظار الناس، وإنما البحث عنهم والوصول إليهم. وهناك فرق كبير بين عدم وجود محتاج، ووجود محتاج لا يعرف كيف يصل إلى المؤسسة أو تمنعه كرامته من الوقوف على بابها.

وعلى المؤسسة أن تثبت بالأرقام أنها قامت بالبحث، وأن توضح عدد الأسر التي زارتها، والحالات التي عالجتها، والديون الضرورية التي سددتها، والمرضى الذين ساعدتهم، والأسر التي وفرت لها السكن والدعم المعيشي.

ليست أداةً لتلميع الصورة وتمويل الأحزاب

أموال أجدادنا ليست أداةً للسياسة الناعمة، ولم توضع لدى مؤسسات الأوقاف والعمل الخيري لكي تُستخدم في تلميع صورة الدولة أو المؤسسات أمام الخارج. كما لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لشراء النفوذ والولاءات السياسية.

ومن غير المقبول أن تُصرف أموال الأوقاف والزكاة والتبرعات في بناء مجمعات سكنية أو تنفيذ مشروعات خارجية تستفيد منها أحزاب سياسية أو تيارات دينية متطرفة. وإذا ثبت وقوع ذلك في السابق، فيجب فتح تحقيق مالي وقانوني مستقل، والكشف عن الجهات التي تسلمت الأموال، والمسؤولين الذين وافقوا على صرفها، والنتائج التي ترتبت عليها.

فالعمل الخيري لا يجوز أن يكون ستارًا لتمويل الأحزاب، أو وسيلة للتدخل في شؤون الدول، أو بابًا لدعم تيارات دينية وسياسية لا يعلم المتبرع عنها شيئًا. كما لا يجوز استخدام أموال المواطن لتبييض الوجوه سياسيًا في الخارج، بينما يراجع المحتاج داخل الوطن المؤسسات نفسها ويُطلب منه أن يستجدي حقه.

مساعدات الخارج مسؤولية الدولة

مساعدة الشعوب المحتاجة واجب إنساني نبيل، ولكنها مسؤولية الدولة، وتُموَّل من ميزانيتها العامة، وتنفذها عبر السفارات والصناديق التنموية والأجهزة الدبلوماسية والرسمية المختصة.

الدولة أقدر على تحديد أولويات مساعداتها الخارجية، والتنسيق مع الحكومات المستفيدة، ومراقبة الأموال والمشروعات، ومنع ضياعها أو استغلالها سياسيًا. فالإنفاق الخارجي جزء من السياسة العامة والعلاقات الدولية، ولذلك يجب أن يتم بقرار رسمي ومن ميزانية مخصصة لهذا الغرض، لا من أموال الزكاة والأوقاف التي ائتمن عليها المجتمع جهات بعينها.

يجب الفصل بين المسارين: الدولة تتولى مساعدات الخارج من أموالها وقنواتها الرسمية، ومؤسسات الزكاة والأوقاف والجمعيات الخيرية تتولى حماية المجتمع ورعاية المحتاجين الموجودين داخله.

أموال الخير ليست ملكًا للإدارة

إدارة الزكاة مؤتمنة على حق المستحق، وإدارة الوقف مؤتمنة على شروط الواقفين، والجمعية الخيرية مسؤولة أمام المتبرعين والمستفيدين. ولذلك يجب أن تجيب هذه الجهات بوضوح: كم جُمِع من الأموال؟ وكم صُرف على المواطنين والمقيمين؟ وكم استُهلك في الرواتب والإدارة والإعلانات؟ وكم خرج من الدولة؟ ومن اتخذ قرار إرساله؟ وهل كانت جميع حاجات الداخل قد لُبيت؟

إن نشر أرقام إجمالية أو صور لمشروعات خارجية لا يحقق الشفافية المطلوبة. المطلوب تقارير تفصيلية، وتدقيق مالي مستقل، ورقابة شرعية وقانونية، ومحاسبة كل مسؤول يبدد المال أو يصرفه بعيدًا عن مقاصد الواقفين وحقوق المستحقين.

كما يجب تقليل المصروفات الإدارية والدعائية، وتحديد مدة قصيرة للبت في طلبات المساعدة، وتوضيح أسباب الرفض، ومنح صاحب الطلب حق التظلم أمام لجنة مستقلة.

أموال المجتمع تعود إلى المجتمع

قبل بناء مجمع سكني في الخارج، يجب إسكان أسرة محتاجة في الداخل. وقبل علاج مريض بعيد، يجب التأكد من عدم وجود مواطن أو مقيم عاجز عن تحمل تكاليف علاجه. وقبل إرسال الأموال لإطعام محتاج خارج الوطن، يجب البحث عن المتعفف القريب الذي قد ينام جائعًا ولا يمد يده إلى أحد.

العمل الخيري الحقيقي لا يبدأ أمام كاميرات الإعلام، وإنما يبدأ بالبحث عن الإنسان الذي يخفي حاجته حفاظًا على كرامته.

لقد وضع أجدادنا أوقافهم أمانة لدى هذه الجهات لتعم فائدتها أحفادهم وأهل مجتمعهم، لا لتُمنح لأحزاب أو تيارات سياسية ودينية خارج الوطن. ومن يغيّر وجهة هذه الأموال يجب أن يخضع للمساءلة، لأنه لا يتصرف في ماله الخاص، بل في أمانة الأجيال وحقوق المحتاجين.

ليس على المحتاج أن يبحث عن مؤسسات الخير ويستجديها؛ بل عليها أن تبحث عنه، وتصل إليه، وتحفظ كرامته، وتؤدي إليه حقه. فأموال المجتمع يجب أن تعود إلى المجتمع، أما مساعدات الخارج فتتولاها الدولة من ميزانيتها وعبر قنواتها الرسمية.

المصادر والمراجع: البنك الدولي، بيانات ومؤشرات الحكم الرشيد؛ مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، اتفاقية مكافحة الفساد.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟