عودة بريطانيا وفرنسا إلى الخليج هل بدأ تشكيل النظام الجديد بعد هرمز

عودة بريطانيا وفرنسا إلى الخليج… هل بدأ تشكيل النظام الجديد بعد هرمز؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة

11 مايو 2026

حين تترأس بريطانيا وفرنسا اجتماعات تضم أكثر من 40 دولة لمناقشة أمن مضيق هرمز، فالمسألة ليست مجرد حماية سفن أو ناقلات نفط، بل إعلان غير مباشر أن الخليج دخل مرحلة إعادة تشكيل التوازنات الدولية من جديد. فالدول الكبرى لا تحشد هذا العدد من الدول إلا عندما تشعر أن هناك تحولًا استراتيجيًا يمس الاقتصاد العالمي كله، لا مجرد أزمة بحرية عابرة.

العالم أدرك اليوم أن الخليج لم يعد مجرد “خزان نفط”، بل أصبح القلب الحقيقي لحركة الاقتصاد العالمي. من هنا تمر الطاقة، والغاز، والبضائع، والتجارة، وحتى الكابلات البحرية والبيانات الرقمية. لذلك فإن أي اضطراب في هرمز لم يعد أزمة تخص الخليج وحده، بل تهديد مباشر لحركة الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والأسواق الدولية.

لكن القراءة الأعمق تقول إن الغرب بدأ يفكر في مرحلة ما بعد “ورقة هرمز الإيرانية”. فإيران طوال عقود بنت جزءًا كبيرًا من نفوذها على قدرتها على تهديد المضيق وإبقاء العالم في حالة قلق دائم. هذه الورقة منحتها وزنًا سياسيًا أكبر من حجمها الاقتصادي الحقيقي. أما اليوم، فعندما تبدأ أربعون دولة بمناقشة ترتيبات أمنية دولية طويلة المدى للمضيق، فهذا يعني أن العالم يبحث عن طريقة لتحويل هرمز من ورقة ضغط إيرانية إلى ممر دولي تديره تحالفات واسعة.

عودة بريطانيا وفرنسا ليست صدفة. بريطانيا تعرف الخليج جيدًا منذ ما قبل استقلال دوله الحديثة، وتفهم أن من يملك النفوذ في الخليج يملك جزءًا مهمًا من حركة الاقتصاد العالمي. أما فرنسا فهي تدرك أن الخليج أصبح آخر مناطق النفوذ المستقرة اقتصاديًا والقادرة على ضخ الاستثمارات والطاقة والتعاون العسكري في عالم مضطرب.

لكن الغرب عاد هذه المرة بثوب مختلف. لم يعد بحاجة إلى استعمار مباشر أو احتلال عسكري كما في الماضي. العودة الجديدة تقوم على القواعد العسكرية، والتحالفات البحرية، والاتفاقيات الدفاعية، وربط الاقتصادات الخليجية بالمنظومة الغربية عبر الأمن والطاقة والاستثمار. أي أن الغرب لم يعد يريد السيطرة على الأرض… بل يريد إدارة حركة التجارة والطاقة من خلالها.

وفي المقابل، تبدو أمريكا وكأنها تعيد توزيع الأدوار. واشنطن لم تعد تريد أن تتحمل وحدها كلفة حماية الخليج كما حدث بعد حرب الكويت أو غزو العراق، بل تريد أن يبقى النفوذ الأمريكي قائمًا بأقل تكلفة مباشرة، مع دفع أوروبا والحلفاء لتحمل جزء من العبء الأمني والسياسي. ولهذا نرى لندن وباريس تتقدمان المشهد، بينما تبقى واشنطن ممسكة بالخيوط الكبرى من الخلف.

لكن الأخطر من كل ذلك أن الخليج نفسه يدخل مرحلة سباق صامت لإعادة التموضع. فكل دولة بدأت تفكر في مكانها داخل النظام القادم: من يصبح مركز الطاقة؟ من يقود التمويل؟ من يتحكم بالموانئ؟ من يربط آسيا بأوروبا؟ ومن يتحول إلى مركز لوجستي عالمي؟ هذه الأسئلة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت جزءًا من الصراع على النفوذ في المرحلة القادمة.

ولهذا فإن أزمة هرمز الحالية قد تتحول من مجرد أزمة أمنية إلى نقطة ولادة لنظام خليجي جديد بالكامل. نظام لا يعتمد فقط على النفط، بل على الموانئ، والخدمات اللوجستية، والصناعات الوسيطة، وخطوط الأنابيب، والتمويل، والتجارة العالمية. ومن هنا نفهم لماذا تتسابق القوى الكبرى على تثبيت وجودها في المنطقة قبل أن تتضح ملامح هذا النظام الجديد.

الخليج اليوم لم يعد ضعيفًا كما كان قبل خمسين عامًا. يمتلك صناديق سيادية ضخمة، وشركات طاقة عالمية، وموانئ عملاقة، وبنية تحتية حديثة، وعلاقات تمتد من الصين إلى أوروبا وأمريكا. لكن المشكلة ليست في المال أو الإمكانيات، بل في القدرة على بناء رؤية خليجية مشتركة قبل أن تبدأ القوى الكبرى برسم مستقبل المنطقة نيابة عن أهلها.

وقد يكون أخطر ما في المشهد الحالي أن العالم بدأ يناقش مستقبل الخليج في الاجتماعات الدولية… بينما لا يزال الخليج نفسه يبحث عن شكل وحدته السياسية والاستراتيجية في زمن التحولات الكبرى.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟