العقلية الخليجية- قراءة تاريخية ثانية

نظرة في تاريخ الفكر والعقلية الخليجية 2

تحليل سياسي وتاريخي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 28 مايو 2026

الخليج اليوم لا يمر بخلافات سياسية عابرة فقط، بل يقف أمام مرحلة إعادة تشكل تاريخية قد تعيد تعريف المنطقة اقتصاديًا واستراتيجيًا لعقود طويلة قادمة. وما يحدث بين بعض دول الخليج لم يعد مجرد تباين مؤقت في وجهات النظر، بل بدأ يأخذ أبعادًا أعمق تمس جذور التفكير السياسي والجغرافي والتاريخي لشعوب المنطقة.

فعلى مدى التاريخ، كان هناك اختلاف واضح بين المدرسة البحرية الخليجية القديمة التي تمثلها عُمان التاريخية وامتداداتها البحرية على الساحل، وبين المدرسة الصحراوية القادمة من عمق الجزيرة العربية. وهذا التباين ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى قرون طويلة حين كانت القوى البحرية في الخليج والمحيط الهندي تتحكم بالموانئ والتجارة وخطوط الملاحة، بينما كانت القوى الصحراوية تتحرك وفق طبيعة مختلفة تقوم على الامتداد البري والتحالفات القبلية والسيطرة على العمق الجغرافي.

التاريخ العماني البحري تحديدًا يحمل إرثًا طويلًا من المواجهة مع النفوذ الفارسي في الخليج والمحيط الهندي، ولا يجب تجاهل أن الامتداد التاريخي البحري لعُمان القديمة كان يشمل أجزاء واسعة من الساحل الذي تقوم عليه اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ كانت المنطقة في مراحل تاريخية عديدة تمثل كيانًا جغرافيًا وسياسيًا وتجاريًا متداخلًا قبل تشكل الحدود الحديثة بصورتها الحالية. وقد وصلت تلك القوة البحرية في مراحل مختلفة إلى فرض نفوذها على أجزاء واسعة من السواحل والممرات البحرية، وهو ما جعل الإمارات الحديثة ترث جزءًا مهمًا من هذا الفكر البحري والتجاري والانفتاح الملاحي على العالم.

وفي المقابل، تشكلت لدى بعض دول الخليج الصحراوية عبر العقود عقلية تقوم على الحذر الشديد، والمساكنة السياسية، وتجنب الصدام المباشر مع القوى الإقليمية الكبرى، نتيجة طبيعة البيئة الصحراوية وقلة الموارد التاريخية مقارنة بالمراكز البحرية القديمة. ولذلك ظل منطق “التعايش الحذر” حاضرًا في كثير من السياسات الخليجية طوال العقود الماضية.

إيران تدرك هذه الفوارق جيدًا، وربما تخشى في العمق أي تقارب استراتيجي كبير بين عُمان والإمارات، لأن أي تنسيق عميق بين القوتين البحريتين في جنوب الخليج قد ينتج ثقلًا بحريًا واقتصاديًا ولوجستيًا يمتد من مضيق هرمز حتى بحر العرب والمحيط الهندي، وهو ما قد يغيّر توازنات النفوذ التقليدية في المنطقة. وفي المقابل، قد ترى طهران أن توحد دول الخليج الصحراوية تحت المظلة السعودية يبقى ملفًا يمكن التفاوض معه سياسيًا ضمن حسابات النفوذ الإقليمي المعروفة.

ورغم أن هذه الرؤية تبقى ضمن إطار التحليل الجيوسياسي وليست قائمة على وثائق رسمية معلنة، إلا أن سلوك القوى الإقليمية عبر التاريخ غالبًا ما كان يقوم على فهم التباينات داخل الخليج ومحاولة التعامل مع كل محور وفق مصالحه وطبيعته الجغرافية والسياسية.

كما أن الخلافات الخليجية الحالية لا يمكن قراءتها فقط من زاوية السياسة اليومية، بل يجب فهمها ضمن اختلاف أعمق بين عقلية بحرية تجارية مفتوحة على العالم والمحيطات، وعقلية صحراوية تميل إلى المركزية البرية والتحفظ الاستراتيجي.

الخاتمة:

أرى وأستشرف اليوم أن هناك ملامح لتشكل خليجين مختلفين في طريقة التفكير والاتجاهات السياسية والاستراتيجية، وهو أمر قد يقود — لا قدر الله — إلى مزيد من التباعد إن لم يُعاد إحياء الفكر الخليجي التاريخي القائم على التوازن والتعايش وفهم خصوصية كل مكوّن داخل المنطقة.

فالخليج عبر تاريخه الطويل لم يكن كتلة متطابقة بالكامل، لكنه كان قادرًا دائمًا على البقاء موحدًا رغم اختلاف أنماطه البحرية والصحراوية والتجارية والقبلية. أما اليوم، فإن الخطر الحقيقي قد لا يكون في الخلافات السياسية نفسها، بل في تحوّل هذه الاختلافات الطبيعية إلى حالة فرز تاريخي دائم بين مكونات الخليج.

ومعضلة رجل الصحراء حينما يستهين برجال البحر، أو يعتقد أن القوة البرية وحدها تكفي لإدارة الخليج، أنه يكتشف في النهاية أن البحر يملك مفاتيح التجارة والموانئ والانفتاح على العالم. وفي المقابل، فإن رجال البحر أيضًا لا يستطيعون تجاهل عمق الصحراء وثقلها البشري والجغرافي والاستراتيجي. ولذلك فإن الطرفين، مهما ابتعدا أو اختلفا، يعودان في النهاية إلى الجلوس على سفرة واحدة للاتفاق، لأن طبيعة الخليج نفسها فُرضت تاريخيًا على التوازن بين البحر والصحراء، لا على إلغاء أحدهما للآخر.

ولذلك فإن مستقبل الخليج ربما يتوقف على قدرة أبنائه على إعادة بناء مفهوم الوحدة الخليجية بصورة أعمق وأكثر مرونة، تستوعب التنوع التاريخي والجغرافي بدل أن تجعله سببًا للتباعد والانقسام.

ربما تحمل السنوات القادمة الإجابة.

المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟