هل تملك إيران «اليد العليا»
هل تملك إيران «اليد العليا»؟
قراءة في نقاش رئيس الاستخبارات البريطانية السابق حول الحرب
تحليل سياسي واستراتيجي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 17 يوليو 2026
أثار السير أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية MI6، نقاشاً واسعاً عندما قال في مقابلة مع مجلة The Economist إن إيران أصبحت تملك «اليد العليا» في الحرب، وإن الولايات المتحدة قللت من صعوبة المهمة وفقدت زمام المبادرة.
هذه العبارة لا تعني أن إيران أصبحت أقوى من الولايات المتحدة عسكرياً، ولا أنها حققت نصراً نهائياً في ميدان القتال. فالفرق في القوة الجوية والتكنولوجيا والاستخبارات والقدرات الاقتصادية لا يزال كبيراً لمصلحة واشنطن وحلفائها. لكن يونغر كان يتحدث عن مفهوم مختلف: من يفرض مسار الحرب، ومن يتحكم في وقت التصعيد والتهدئة، ومن يستطيع الصمود حتى يتعب خصمه؟
القوة العسكرية لا تساوي دائماً المبادرة السياسية
قد تمتلك دولة ما آلاف الطائرات والقواعد والصواريخ، لكنها تدخل حرباً من دون هدف سياسي واضح أو طريق مضمون للخروج منها. وفي المقابل، قد يكون خصمها أضعف عسكرياً، لكنه يعرف ما يريد، ويستطيع تحمل الخسائر، ويملك أدوات للاستنزاف وإطالة الصراع.
من هنا يمكن فهم كلام يونغر. فالولايات المتحدة تستطيع ضرب المنشآت الإيرانية وتدمير أجزاء كبيرة من البنية العسكرية، لكنها تواجه سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا يحدث بعد الضربات؟
هل يسقط النظام؟
هل يتوقف الحرس الثوري عن القتال؟
هل تُفتح الممرات البحرية بصورة دائمة؟
وهل يمكن منع إيران من إعادة بناء قدراتها؟
إذا لم تكن هناك إجابات واضحة، تتحول القوة العسكرية الهائلة إلى عمليات مؤلمة ومكلفة، لكنها لا تنتج حلاً سياسياً نهائياً.
إيران بنت نظاماً هدفه الأول البقاء
النظام الإيراني لم يُبنَ بوصفه جيشاً تقليدياً فقط، بل بوصفه شبكة واسعة من المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية. وتداخل هذه المؤسسات يجعل إسقاط القيادة أو شل الدولة بضربة واحدة أمراً شديد التعقيد.
لقد تعلّمت طهران خلال عقود من العقوبات والمواجهات كيف توزّع مراكز القرار، وتحمي بعض قدراتها، وتعمل بوسائل مباشرة وغير مباشرة. ولذلك فإن قتل القادة أو تدمير مواقع القيادة قد يربك النظام، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى انهياره الفوري.
وما قصده يونغر هو أن إيران أظهرت قدرة على الصمود والتكيف أكبر مما قدّرته واشنطن في بداية الحرب، وأن خيارات الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت محدودة ومكلفة.
هرمز يحوّل الضعف الإيراني إلى قوة عالمية
أهم ورقة إيرانية ليست قدرتها على تدمير الولايات المتحدة، بل قدرتها على تهديد الاقتصاد العالمي من موقع جغرافي ضيق وحساس: مضيق هرمز.
إيران تعرف أن إغلاق المضيق بصورة كاملة ولمدة طويلة سيضرها هي أيضاً، لكنه يمنحها في الوقت نفسه قدرة على رفع تكلفة الحرب على الجميع. فتعطيل السفن أو تهديدها أو جعل التأمين والنقل أكثر تكلفة يرفع أسعار الطاقة ويضغط على دول الخليج وآسيا وأوروبا.
وهكذا تستطيع إيران أن تحول الصراع من حرب بينها وبين الولايات المتحدة إلى أزمة عالمية تمس النفط والغاز والأسمدة والتجارة وسلاسل الإمداد. وقد أصبحت السيطرة على المضيق والمحافظة على النفوذ فيه محوراً رئيسياً في الصراع والمفاوضات الأخيرة.
هذه هي إحدى صور «اليد العليا»: ليس الانتصار على الأسطول الأمريكي، بل إجبار العالم على دفع ثمن استمرار الحرب.
الصمود ليس انتصاراً
مع ذلك، يجب الحذر من المبالغة في تفسير كلام رئيس الاستخبارات السابق. فبقاء النظام الإيراني لا يعني أنه انتصر، وقدرته على إطلاق الصواريخ لا تعني أن بنيته العسكرية لم تتضرر.
إيران دفعت وتدفع أثماناً ثقيلة في الاقتصاد والبنية التحتية والاستثمار والتجارة والاستقرار الداخلي. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن المواجهة الطويلة مع الغرب ألحقت بها خسائر تراكمية عميقة في الناتج والاستثمار والتكامل التجاري وجودة المؤسسات.
لذلك يجب التمييز بين ثلاثة أمور:
التفوق العسكري: ما زال في جانب الولايات المتحدة وحلفائها.
القدرة على الصمود: أثبتت إيران أنها أقوى مما توقع خصومها.
القدرة على فرض حل نهائي: لا يبدو أن أياً من الطرفين يملكها حتى الآن.
فإيران تستطيع إطالة الحرب وإلحاق الضرر، لكنها لا تستطيع بسهولة إخراج القوات الأمريكية من المنطقة أو حماية جميع منشآتها. والولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات هائلة، لكنها لا تستطيع ضمان سقوط النظام أو إنهاء التهديد الإيراني من الجو وحده.
هل أخطأت أمريكا في تقدير طبيعة الحرب؟
يبدو أن الخطأ الأمريكي لم يكن في تقدير حجم الترسانة الإيرانية فقط، بل في تقدير طبيعة النظام نفسه.
قد تكون واشنطن توقعت أن تؤدي الضربات القوية، واغتيال القيادات، والخسائر الاقتصادية إلى تفكك سريع في الدولة. لكن النظام الذي يعتبر المعركة معركة بقاء لن يتصرف وفق الحسابات الطبيعية لدولة تسعى إلى حماية النمو والرفاهية.
فالدولة العادية قد تتراجع عندما تصبح تكلفة الحرب أعلى من فوائدها، أما النظام الذي يعتقد أن التراجع سيؤدي إلى سقوطه، فقد يواصل الحرب ولو دمّر الاقتصاد وأرهق السكان.
ومن هنا تصبح المعركة غير متكافئة نفسياً: الولايات المتحدة تريد تحقيق أهدافها بأقل الخسائر وفي مدة قصيرة، بينما تستطيع القيادة الإيرانية قبول حرب أطول وأشد قسوة ما دامت تضمن بقاء النظام.
أين تقف دول الخليج؟
بالنسبة إلى دول الخليج، لا يكفي السؤال: من ينتصر، أمريكا أم إيران؟
السؤال الأهم هو: من يدفع تكلفة استمرار المواجهة؟
دول الخليج تقع جغرافياً بين الطرفين، وتوجد فيها منشآت الطاقة والقواعد العسكرية والموانئ والمدن القريبة من مسرح العمليات. كما أن اضطراب الملاحة في هرمز يرفع تكاليف صادراتها، حتى عندما ترتفع أسعار النفط.
وإذا كانت إيران قد اكتشفت أن تهديد المضيق يمنحها ورقة تفاوضية قوية، فإن الخطر هو أن تتحول هذه الورقة إلى وسيلة دائمة لفرض شروط سياسية واقتصادية على المنطقة.
ولهذا لا ينبغي لدول الخليج أن تنتظر نتيجة الصراع بين واشنطن وطهران، بل عليها أن تبني قدرتها المستقلة على حماية المنشآت والموانئ والممرات البحرية، وتطوير خطوط الأنابيب والمنافذ البديلة، وتوحيد أنظمة الإنذار والدفاع الجوي والبحري.
الخلاصة
قول أليكس يونغر إن إيران تملك «اليد العليا» ليس إعلاناً بانتصار إيران، بل تحذير من أن القوة العسكرية وحدها لا تحسم الحروب المعقدة.
إيران أضعف من الولايات المتحدة في معظم موازين القوة، لكنها نجحت في البقاء، وإطالة المواجهة، واستخدام الجغرافيا والصواريخ والمضيق والضغط الاقتصادي لرفع تكلفة الحرب على خصومها والعالم.
أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من تفوقها الساحق، تواجه صعوبة في تحويل الضربات إلى نتيجة سياسية مستقرة.
وبذلك تصبح الحرب مواجهة بين قوة تستطيع التدمير لكنها تبحث عن مخرج، ونظام يستطيع تحمل الدمار لأنه يعتبر بقاءه هو النصر.
لكن استمرار هذا التوازن لا يصنع سلاماً، بل يضع الخليج أمام مرحلة طويلة من الاستنزاف والخطر. ولذلك فإن الدرس الأهم ليس أن إيران انتصرت أو أن أمريكا هُزمت، بل أن أمن الخليج يجب ألا يبقى رهينة تقديرات القوى الخارجية أو رهينة من يعبث بمضيق هرمز.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment