الأنابيب الخليجية المفقودة والابتعاد عن هرمز
الأنابيب الخليجية المفقودة… كيف أعاد التهديد الإيراني إحياء فكرة “الهروب من هرمز”
تحليل اقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 21 مايو 2026
الأنابيب المقترحة من العراق إلى السعودية ثم البحر الأحمر لم تكن مجرد مشاريع نفطية عادية، بل كانت جزءًا من تفكير استراتيجي خليجي–عراقي قديم هدفه تجاوز الاختناق الجغرافي في الخليج العربي وتقليل الاعتماد الكامل على مضيق هرمز. وما يحدث اليوم يعيد نفس المخاوف القديمة ولكن بصورة أكثر تعقيدًا.
خط الأنابيب العراقي عبر السعودية المعروف باسم IPSA ظهر بقوة أثناء الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات، بعدما أصبحت الموانئ العراقية في الخليج تحت تهديد مباشر، وأغلقت سوريا الخط العراقي المتجه للبحر المتوسط. عندها اتجه العراق جنوبًا نحو السعودية للوصول إلى ينبع على البحر الأحمر، في محاولة لبناء منفذ بديل بعيد عن التهديدات البحرية في الخليج.
المشروع كان رسالة استراتيجية قبل أن يكون مشروع طاقة. فكرته الأساسية أن النفط الخليجي والعراقي يجب ألا يبقى رهينة لممر بحري واحد يمكن تهديده أو تعطيله أثناء الحروب. ولهذا بُني الخط بطاقة ضخمة وطول استراتيجي يعكس حجم القلق الذي كانت تعيشه المنطقة آنذاك.
لكن المفارقة التاريخية أن الخط لم يسقط بسبب إيران مباشرة، بل بسبب التحولات السياسية الكبرى بعد غزو الكويت 1990، حيث توقفت عمليات الضخ ودخلت العلاقات العراقية–السعودية في مرحلة قطيعة طويلة، لتتجمد معه واحدة من أهم الأفكار الاستراتيجية في المنطقة.
إلا أن الفكرة نفسها لم تمت أبدًا.
فالخليج منذ السبعينيات يعيش على هاجس ثابت: ماذا لو أصبح مضيق هرمز غير آمن؟ ولهذا ظهرت خطوط الشرق–الغرب السعودية، وخطوط الإمارات نحو الفجيرة، ومحاولات العراق نحو تركيا والبحر الأحمر، وحتى مشاريع السكك الحديدية الحديثة كلها تحمل نفس الفلسفة: تقليل الاعتماد الكامل على هرمز.
ومن هنا يظهر الدرس الأهم الذي أعادت التوترات الحالية إحياءه بقوة:
أن تصدير الطاقة من الخليج لا يجب أن يعتمد على منفذ واحد مهما كانت الحماية العسكرية قوية، لأن الجغرافيا السياسية في المنطقة متقلبة بطبيعتها، وما يبدو آمنًا اليوم قد يتحول غدًا إلى نقطة ضغط عالمية.
ولهذا بدأ التفكير الخليجي يتغير تدريجيًا من “حماية المضيق” إلى “توزيع المخاطر”. أي أن النفط والغاز والبتروكيماويات يجب أن تمتلك عدة مخارج بحرية وبرية في وقت واحد، بحيث لا يؤدي أي تهديد موضعي إلى شل الاقتصاد أو تعطيل الإمدادات العالمية.
فعلى بحر العرب، أصبح الاتجاه نحو الموانئ المفتوحة خارج هرمز يحمل أهمية استراتيجية ضخمة. ميناء الفجيرة كان أول نموذج واضح لهذه الفكرة، ثم برزت أهمية موانئ سلطنة عمان مثل ميناء الدقم وميناء صلالة باعتبارها منافذ مباشرة على المحيط الهندي تمنح الخليج عمقًا استراتيجيًا خارج المضيق.
حتى ميناء المكلا ظل حاضرًا تاريخيًا ضمن التصورات الجيوسياسية القديمة كميناء يملك موقعًا مهمًا على بحر العرب، خاصة إذا استقرت المنطقة مستقبلًا وأعيد بناء البنية اللوجستية في اليمن.
أما على البحر الأحمر، فقد بنت السعودية منذ عقود فلسفة “المخرج الغربي” عبر ميناء ينبع وخط الشرق–الغرب، ثم توسع التفكير لاحقًا نحو ميناء جازان والمناطق الصناعية واللوجستية الجديدة. الفكرة هنا ليست فقط تصدير النفط، بل إنشاء منظومة صناعية وتخزينية قادرة على الاستمرار حتى أثناء الأزمات الكبرى.
وفي الشمال بقيت الأنابيب نحو تركيا والبحر المتوسط حاضرة دائمًا في التفكير الاستراتيجي العراقي والخليجي، رغم أن كثيرًا منها تعثر بسبب الحروب والانقسامات السياسية والتغيرات الإقليمية.
المثير أن التاريخ يعيد نفسه اليوم بصورة شبه كاملة. فالعراق عاد رسميًا لطرح فكرة إحياء خط الأنابيب المتوقف منذ عقود، وعادت النقاشات حول بدائل هرمز وخطوط الطاقة والممرات البرية والبحرية لتصبح جزءًا من الأمن القومي الخليجي وليس مجرد مشاريع اقتصادية.
والدرس التاريخي العميق هنا أن إيران، منذ الثورة الإيرانية 1979 وحتى اليوم، أدركت دائمًا أن نقطة الضغط الحساسة في الخليج ليست الحقول النفطية فقط، بل طرق عبور الطاقة نفسها. ولذلك ظل ملف هرمز والملاحة والطاقة جزءًا ثابتًا من أدوات التوازن والضغط الإقليمي.
لكن في المقابل، تعلمت دول الخليج والعراق أن الحل ليس فقط في حماية الطريق، بل في امتلاك عدة طرق. فالدولة التي تملك منافذ متعددة على الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط تصبح أقل تعرضًا للابتزاز الجيوسياسي وأكثر قدرة على الاستمرار أثناء الأزمات.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد رد فعل مؤقت على توتر سياسي، بل عودة كاملة إلى الفكر الاستراتيجي القديم الذي بدأ منذ حرب الناقلات:
أن أمن الطاقة الحقيقي لا يتحقق بممر واحد مهما كانت قوته، بل بشبكة واسعة من الأنابيب والموانئ والسكك الحديدية تجعل من المستحيل خنق الخليج أو تعطيل دوره العالمي في صناعة الطاقة.
🄯 جميع الحقوق محفوظة © عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة 2026
يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment