السم في العسل: هل نترك للحوثيين صخرة جديدة في جبال اليمن؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 24 أكتوبر 2026
يروي المؤرخ المقري في كتابه نفح الطيب قصة القائد المسيحي بيلايو الذي تحصن مع رجاله في جبال أستورياس شمال إسبانيا، بعد الفتح الإسلامي للأندلس.
ويذكر أن المسلمين طاردوه حتى بقي معه ثلاثون رجلًا وعشر نساء، يعيشون على العسل المستخرج من شقوق الصخور. وعندما استعصى الوصول إليهم، استهان المسلمون بأمرهم وقالوا:
«ثلاثون علجًا، ما عسى أن يجيء منهم؟»
هذه الرواية التاريخية، وإن لم تثبت تفاصيلها بشهادة معاصرة، تحمل درسًا مهمًا. فقد أصبحت تلك المنطقة نواة لمملكة مسيحية توسعت عبر القرون. ولم تسقط الأندلس بسبب هذه الواقعة وحدها، بل ساهمت في سقوطها الانقسامات السياسية وتغير موازين القوى حتى انتهى الحكم الإسلامي سنة 1492م.
واليوم، ونحن نتابع الحرب اليمنية، ينبغي أن نستحضر هذه القصة عند مناقشة الأفكار المطروحة لمستقبل الحوثيين.
فقد تحدث عزمي بشارة، في مقابلاته على التلفزيون العربي، عن ضرورة التفاهم مع الحوثيين باعتبارهم جزءًا من المجتمع اليمني، وأنهم لا يستطيعون حكم اليمن كله، ولكن لا يمكن استبعادهم من التسوية السياسية. كما طرح إمكانية اعتماد نظام اتحادي أو لامركزي.
وهنا يجب التمييز بين مضمون كلامه وبين نتائجه المحتملة. فهو لم يطالب صراحة بترك الحوثيين مسلحين في الجبال، ولكن الخطر يكمن في أن تتحول التسوية المقترحة إلى اعتراف دائم بسلطتهم العسكرية داخل مناطقهم.
وهذا ما أسميه السم في العسل.
العسل هو الدعوة إلى السلام والتفاهم ووقف الحرب، وهي أهداف مشروعة يحتاج إليها الشعب اليمني بعد سنوات طويلة من الدمار.
أما السم المحتمل فهو أن تصبح هذه التفاهمات غطاء لبقاء قوة عسكرية مستقلة، تمتلك الصواريخ والطائرات المسيرة، وتفرض الضرائب وتدير الموارد وتحتفظ بقرار الحرب والسلام، بينما تتولى حكومة مركزية ضعيفة مسؤولية بقية اليمن.
عندئذ لن تكون المشكلة قد انتهت، وإنما انتقلت إلى مرحلة انتظار مواجهة جديدة.
لقد أثبتت التجربة اليمنية أن الحوثيين ليسوا مجرد جماعة سياسية تطالب بالمشاركة في السلطة. فقد استولوا على مؤسسات الدولة بالقوة، وامتلكوا ترسانة عسكرية، وشنوا هجمات تجاوزت حدود اليمن إلى دول الجوار والملاحة الدولية.
فإذا انتهت الحرب بتسوية تسمح باستمرار هذه القدرات خارج سلطة الدولة، فما الذي يضمن عدم استخدامها مرة أخرى بعد خمس أو عشر سنوات؟
إن التفاهم مع المجتمع اليمني في صعدة أمر ضروري، وكذلك ضمان حقوق سكانها ومشاركتهم السياسية. لكن ذلك يختلف جذريًا عن الاعتراف بقيادة عسكرية مستقلة تحتفظ بالسلاح الثقيل وتقرر متى تحارب ومتى تفاوض.
ولا ينبغي الخلط بين اللامركزية الإدارية التي توزع الخدمات والصلاحيات الاقتصادية، واللامركزية العسكرية التي توزع السيادة وقرار الحرب بين جماعات مسلحة.
إن الأولى قد تساعد اليمن على تجاوز أزمته، أما الثانية فقد تكرس الانقسام وتحول الجبال إلى قواعد دائمة لتهديد البلاد وجيرانها.
ومن هنا فإن القضية ليست رفض التفاوض من حيث المبدأ، بل رفض أي اتفاق لا ينهي ازدواج السلطة العسكرية، ولا يخضع جميع التشكيلات المسلحة لمؤسسات وطنية واحدة ضمن ترتيبات قابلة للتحقق والضمان.
وحتى التجربة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 تذكرنا بأن تغيير السلطة لا يكفي وحده. فالتحدي الأصعب هو توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، ومنع استمرار القوى المسلحة خارج سلطة الدولة.
وينبغي أن يكون الهدف في اليمن إنهاء حكم السلاح، لا استبعاد سكان صعدة أو الحوثيين بوصفهم مواطنين من الحياة السياسية، ولا معاقبة المجتمعات المحلية بسبب انتماءات أفرادها.
إن دول الخليج لا تستطيع تحمل استمرار تهديد عسكري على حدودها وفي جوار باب المندب، مثلما لا يستطيع الشعب اليمني تحمل حرب دائمة تستنزف أبناءه واقتصاده ومستقبله.
ولذلك يجب أن تكون أي تسوية مرتبطة ببناء الدولة اليمنية، واحتكارها المشروع للسلاح، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، حتى لا يتحول الفقر مجددًا إلى مصدر لتجنيد الشباب في الجماعات المسلحة.
والتحذير من فكرة عزمي بشارة لا يعني اتهامه بأنه يريد تمكين الحوثيين مستقبلًا، وإنما يعني وجوب فحص النتائج الأمنية لأي تصور يطرح، مهما بدا متوازنًا في لغته السياسية.
فقد تبدو فكرة إبعاد الحوثيين عن مركز القرار وتركهم يديرون مناطقهم حلًا مريحًا ومؤقتًا، لكنها تصبح شديدة الخطورة إذا أبقت لهم جيشًا خاصًا وقاعدة مستقلة لإعادة التسلح والتوسع.
لقد استهان المسلمون، وفق الرواية الأندلسية، بثلاثين رجلًا احتموا بصخرة في الشمال.
فلا ينبغي أن ينتهي الأمر بدول الخليج إلى الاطمئنان لتفاهمات تترك قوة مسلحة في جبال اليمن، ثم تكتشف الأجيال القادمة أنها ورثت أزمة أكبر من الأزمة التي حاول آباؤها تسويتها.
إن السلام الذي ينهي القتال اليوم لكنه يترك أسباب الحرب قائمة ليس بالضرورة سلامًا دائمًا.
وهذا هو الدرس الحقيقي من صخرة الأندلس، وهو موضع الحذر من السم الذي قد يختبئ في عسل التفاهمات السياسية.
استند عرض تصريحات بشارة إلى مقابلاته المنشورة في التلفزيون العربي في يناير وأكتوبر 2026، واستندت الرواية الأندلسية إلى نص المقري في نفح الطيب.
المصادر والمراجع: مجلس الأمن، تقارير فريق الخبراء المعني باليمن؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مراجعة التعافي اليمني 2023–2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment