حين تخذلك المنصات هل تهدمها أم تعيد تشكيلها
حين تخذلك المنصات… هل تهدمها أم تعيد تشكيلها؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة 30 أبريل 2026
جاءت هذه المقالة في ظل تساؤلات متصاعدة في الشارع الخليجي، بعد ما تعرضت له دولة الإمارات من أحداث قصف، وما تبع ذلك من شعور بأن ردود الفعل داخل أطر مثل مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي لم ترتقِ إلى مستوى الحدث. هذا الإحساس، الذي انعكس في تساؤلات مباشرة حول جدوى البقاء في هذه المنظومات، هو ما دفع لكتابة هذا المقال: هل الخلل في هذه الكيانات، أم في طريقة التعامل معها؟
في لحظة القصف، لا تُقاس الكلمات بميزان الدبلوماسية بل بميزان النجاة. وعندما تشعر دولة بحجم الإمارات أن محيطها الإقليمي لم يكن على مستوى التهديد، يصبح السؤال مشروعًا: ما جدوى البقاء إذا كانت هذه الأطر لا تتحرك حين تُختبر؟
لكن التاريخ يهمس بهدوء: الغضب قرار لحظي… والجغرافيا قرار دائم.
المشكلة ليست جديدة. هذه المنظمات وُلدت كمنصات توافق لا كتحالفات حسم. تُجيد إصدار البيانات أكثر مما تُجيد إدارة الأزمات، وتُتقن التوازنات أكثر من المواجهات. لذلك، في كل أزمة كبرى، يتكرر الشعور بالتخاذل، ولو كانت الحسابات خلف الكواليس أعقد مما يظهر للعلن.
غير أن الانسحاب ليس تصحيحًا للمسار، بل قفز إلى المجهول. لأن الخروج من التكتل يعني الانتقال من لاعب داخل منظومة—وإن كانت بطيئة—إلى لاعب منفرد في بيئة إقليمية لا ترحم الفراغات. وفي الخليج تحديدًا، الفراغ لا يبقى فارغًا؛ بل يُملأ سريعًا بقوى أخرى، إقليمية ودولية، لكلٍ منها حساباته.
هنا يظهر البعد الأخطر: التعامل الفردي.
حين تتفكك الكتلة، تصبح كل دولة ملفًا مستقلًا. تُدار الضغوط والتهديدات، بل وحتى التفاهمات، دولةً دولة. وهذا ما يمنح الأطراف المقابلة—وخاصة إيران—أفضلية استراتيجية؛ فبدل مواجهة جبهة موحدة، تُفتح أمامها طاولة متعددة، تُدار فيها الأوراق تدريجيًا وعلى مراحل.
أما الحديث عن “الاصطفاف مع إيران”، فهو في حقيقته انعكاس لبراغماتية باردة. بعض الدول لا ترى نفسها في معركة صفرية، بل في معادلة تقليل خسائر: تحافظ على قنوات مع طهران لتجنّب التصعيد، وتُبقي علاقاتها مع الخليج والغرب لضمان التوازن. هذا السلوك قد يُفهم شعبيًا على أنه تراجع، لكنه في نظر صانع القرار إدارة لمخاطر متعددة المسارات.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن هنا، بل في غياب مشروع خليجي موحد. لأن التباين السياسي يصبح خطرًا فقط عندما لا يقابله اندماج اقتصادي عميق. حين تتشابك المصالح—في الصناعة والطاقة والتمويل—تصبح الخلافات السياسية مكلفة للجميع، وبالتالي أقل قابلية للتصعيد.
لهذا، البديل الحقيقي ليس الانسحاب، بل إعادة البناء من الداخل، عبر ثلاث طبقات عملية:
أولًا: تحالفات داخل التكتل
ليس مطلوبًا إجماع الجميع. يمكن لدول متقاربة الرؤية أن تشكّل نواة صلبة داخل المنظومة، تتحرك بسرعة في ملفات محددة: الطاقة، الأمن البحري، والصناعات التحويلية.
ثانيًا: توزيع الأدوار الاقتصادية
بدل التنافس على القطاعات نفسها، يُعاد رسم سلاسل القيمة: دولة تقود الطاقة، أخرى اللوجستيات، ثالثة التمويل، ورابعة التصنيع العسكري. هذا يخلق اعتمادًا متبادلًا حقيقيًا، لا شعارات وحدة.
ثالثًا: ربط الاقتصاد بالأمن
الاتفاقيات الاقتصادية الكبرى—وخاصة عقود الشراء طويل الأجل والمشاريع المشتركة—يجب أن تتحول إلى أدوات ردع غير مباشرة. فكلما تعمّقت المصالح، ارتفعت كلفة أي تراجع أو تخاذل.
في النهاية، السؤال ليس: هل نلوم الإمارات؟
السؤال الأعمق: هل نملك نموذجًا خليجيًا يستحق التمسك به؟
لأن الدول لا تنسحب من الأطر القوية، بل من الأطر التي لم تعد تحمي مصالحها.
والخليج اليوم يقف أمام مفترق واضح:
إما أن يبقى تجمعًا سياسيًا هشًا تُختبر قوته في الأزمات فيتراجع،
أو يتحول إلى كتلة اقتصادية استراتيجية تجعل أي تهديد لإحدى دوله تهديدًا لمصالح الجميع.
عندها فقط… لن يكون هناك حديث عن انسحاب.
بل عن تمسّك.
المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment