عندما تُهزم الإمبراطوريات ماليًا… هل تسير أمريكا على خطى بريطانيا في الخليج؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق

لم تنهزم المملكة المتحدة عسكريًا قبل خروجها من الخليج… لكنها هُزمت ماليًا.
بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت بريطانيا مثقلة بالديون، منهكة الاقتصاد، غير قادرة على تمويل انتشارها العسكري. جاءت الضربة الحاسمة في أزمة السويس، حين اكتشفت أن القرار العسكري لم يعد بيدها، وأن النظام المالي العالمي—بقيادة الولايات المتحدة—أصبح قادرًا على فرض الانسحاب دون إطلاق رصاصة.

لم تكن هناك “فاتورة حرب” مباشرة، لكن كانت هناك منظومة مالية جديدة: قروض بشروط، ضغط على العملة، وتقييد للقدرة الاقتصادية. عندها أصبحت كل قاعدة خارجية عبئًا، وكل انتشار عسكري نزيفًا لا يمكن استمراره. فكان القرار: الانسحاب من شرق السويس… والخليج ضمنه.

اليوم، تعود نفس المعادلة بصيغة مختلفة. أمريكا لا تزال القوة الأكبر، لكنها تواجه ضغوطًا متراكمة: ديون ضخمة، تضخم، وتكلفة انتشار عسكري عالمي. لم تعد الحروب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالميزانيات. وكل جبهة مفتوحة—من أوروبا إلى آسيا—تسحب من قدرة التركيز والتمويل.

في الوقت نفسه، لم يعد الخليج وحده في قلب الأولويات. فواشنطن منشغلة بصراعها مع الصين، وبحرب أوكرانيا، وبسباق التكنولوجيا العالمي. هذا التشتت يعيد إنتاج مأزق بريطانيا القديم: نفوذ واسع… وقدرة مالية واستراتيجية تحت الضغط.

ثم يظهر العامل الأخطر: الرأي العام الأمريكي. فمع تزايد التساؤلات حول كلفة الحروب والتحالفات، وارتفاع الجدل حول دعم إسرائيل، بدأ يتآكل الإجماع الذي كان يبرر الوجود العسكري في الشرق الأوسط. لم يعد السؤال: كيف نحمي العالم؟ بل: لماذا ندفع هذه التكلفة؟

في الخليج، لا تُطرح الأمور كاتهام مباشر، بل كتحول في الإدراك: هل الوجود العسكري يضمن الحماية دائمًا؟ أم أنه جزء من معادلة أوسع قد تُدار وفق مصالح لا تتطابق بالكامل مع أمن المنطقة؟ هنا تتشكل فجوة أخطر من الانسحاب… فجوة الثقة.

الخلاصة أن التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يعيد منطقه. بريطانيا خرجت عندما أصبحت الكلفة أكبر من العائد. وأمريكا اليوم لا تبدو في طريق خروج مفاجئ، لكنها تعيد حساباتها، وقد تختار تقليل وجودها بدل إنهائه. وهذا أخطر… لأنه يخلق فراغًا تدريجيًا لا يُرى إلا بعد أن يتسع.

الدرس الأهم:
القوة لا تسقط عندما تُهزم في الحرب… بل عندما تعجز عن تمويل حضورها.

ومن لا يبني أمنه بموارده… سيبقى ينتظر قرارًا لا يملكه.

المصادر والمراجع: وزارة الخارجية الأمريكية، وثائق الانسحاب البريطاني من الخليج 1968؛ حلف الناتو، نص معاهدة شمال الأطلسي والمادة 13

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث و الصياغه

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟