أطباء المستشفى الكوبي في قطر عالقون بين العقوبات الأمريكية والعقود الحكومية

أطباء المستشفى الكوبي في قطر عالقون بين العقوبات الأمريكية والعقود الحكومية

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 14 سبتمبر 2026

منذ الخامس والعشرين من يوليو 2026، يعيش عدد من الأطباء والممرضين والفنيين الكوبيين العاملين في قطر وضعًا ماليًا وإنسانيًا بالغ الصعوبة، بعد تداول شكاوى تفيد بأنهم لم يتسلموا مستحقاتهم المالية، مع استمرارهم في الحضور إلى أعمالهم وتقديم الرعاية للمرضى.

وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم يصدر توضيح رسمي مفصل من مؤسسة حمد الطبية أو الحكومة القطرية أو السفارة الكوبية يبيّن سبب التأخير، وحجم المتأخرات، وعدد العاملين المتضررين، والموعد المحدد لصرف مستحقاتهم. ولذلك يجب التمييز بين ما تؤكده الوثائق الرسمية بشأن طبيعة الاتفاق والعقوبات الأمريكية، وبين الشكاوى المتداولة التي تحتاج إلى رد رسمي واضح.

لكن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا تأخرت الرواتب؟ بل: كيف وصل أطباء وممرضون يعملون داخل مستشفى حكومي في قطر إلى وضع يمكن فيه لخلاف مالي بين الحكومات والعقوبات الدولية أن يقطع عنهم مورد معيشتهم؟

مستشفى قطري بعمالة كوبية

افتتح المستشفى الكوبي في دخان عام 2012 ضمن مشروع تعاون بين دولة قطر والحكومة الكوبية، وهو تابع لمنظومة مؤسسة حمد الطبية ويقدم خدماته لسكان المنطقة الغربية من البلاد. ويعمل فيه مئات الأطباء والممرضين والفنيين الكوبيين.

غير أن العلاقة المالية لا تسير، بحسب ما نُشر عن الاتفاق، بالطريقة المعتادة التي تربط صاحب العمل مباشرة بالموظف. فدولة قطر لا تدفع بالضرورة الراتب الكامل إلى الطبيب أو الممرض الكوبي في حسابه الشخصي، وإنما تدفع مقابل توفير الخدمات الطبية إلى الجانب الكوبي، الذي يتولى بعد ذلك توزيع جزء من المبلغ على العاملين.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

تحقيق نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عام 2019 ذكر أن قطر كانت تدفع للحكومة الكوبية ما بين خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار شهريًا عن كل مهني صحي، بينما كان الطبيب أو الممرض يحصل على ما يزيد قليلًا على ألف دولار، أي إن القسم الأكبر من قيمة عمله كان يذهب إلى الحكومة الكوبية. وهذه أرقام قديمة وقد تكون العقود الحالية مختلفة، لكنها تكشف طبيعة النظام الذي قامت عليه البعثة الطبية منذ البداية. تحقيق الغارديان

المشكلة إذن ليست أن قطر لا تخصص أموالًا لهذه الكوادر، بل إن الأموال تمر عبر وسيط حكومي كوبي، والطبيب لا يملك علاقة مالية مباشرة وشفافة تضمن وصول كامل أجره إليه.

العقوبات الأمريكية تدخلت في الحلقة المالية

في 23 يوليو 2026، أدرج مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية شركة «تسويق الخدمات الطبية الكوبية» المعروفة اختصارًا باسم CSMC ضمن الجهات الخاضعة للعقوبات. وهذه الشركة الحكومية هي إحدى الجهات الأساسية التي تدير العقود الطبية الكوبية في الخارج وتتلقى جانبًا مهمًا من إيراداتها.

وبعد يومين تقريبًا، أي منذ 25 يوليو، بدأت بحسب الشكاوى المتداولة مشكلة تأخر مستحقات العاملين الكوبيين في قطر. والتقارب بين التاريخين يجعل العقوبات تفسيرًا محتملًا وقويًا، ولكنه لا يكفي وحده لإثبات أن واشنطن أصدرت أمرًا مباشرًا بمنع قطر من دفع رواتب العاملين.

العقوبات الأمريكية لا تمنح الولايات المتحدة، من الناحية القانونية المباشرة، سلطة مطلقة على الأموال القطرية أو على الرواتب المدفوعة بالريال داخل قطر. لكنها تملك نفوذًا واسعًا على النظام المصرفي الدولي لأن أغلب التحويلات بالدولار تمر عبر بنوك أمريكية أو بنوك مراسلة مرتبطة بالولايات المتحدة.

ولهذا قد يرفض بنك قطري أو أوروبي تحويل الأموال إلى شركة كوبية خاضعة للعقوبات، حتى لو لم يكن البنك نفسه أمريكيًا. فالبنوك تخشى تجميد معاملاتها بالدولار، أو تعرضها لغرامات، أو فقدان علاقتها بالبنوك الأمريكية.

وحدث مثال مشابه في إيطاليا بعد تعطيل حساب مصرفي تابع للشركة الطبية الكوبية كانت تمر من خلاله أجزاء من أجور الأطباء الكوبيين العاملين هناك. وقد تزامن تعطيل الحساب مع العقوبات الأمريكية، مع عدم وجود إثبات رسمي قاطع بأن واشنطن أمرت البنك الإيطالي مباشرة بتجميده. تقرير وكالة أنسا

هل تستطيع قطر دفع الرواتب مباشرة؟

الجواب من حيث المبدأ: نعم.

تستطيع قطر دفع مبالغ مباشرة إلى الأطباء والممرضين الموجودين على أراضيها، خصوصًا إذا لم يكن هؤلاء الأفراد مدرجين شخصيًا على قوائم العقوبات. كما يمكن دفع بدل معيشة طارئ لهم بالريال القطري، أو إيداع مستحقاتهم في حسابات أمانة مؤقتة، أو تعديل العقود بحيث يحصل كل عامل على أجره مباشرة.

لكن العقبة قد تكون في الاتفاق الحكومي القائم مع كوبا. فالكوادر الطبية لم تأتِ إلى قطر باعتبارها مجموعة من الموظفين المستقلين، وإنما جاءت ضمن بعثة تديرها الدولة الكوبية. وقد يكون العقد ملزمًا بدفع الأموال إلى الحكومة أو الشركة الكوبية، لا إلى كل طبيب وممرض بصورة منفردة.

ومع ذلك، لا يجوز أن يتحول العقد إلى حجة تبرر ترك العاملين من دون دخل. فالعقود وُضعت لتنظيم العمل وحماية الحقوق، وليست لإجبار الإنسان على مواصلة العمل مجانًا عندما تتعطل العلاقة المالية بين الحكومات.

المسؤولية موزعة ولكن العامل هو الضحية

الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية استخدام سيطرتها على النظام المالي العالمي وسيلةً للضغط السياسي على كوبا. وقد تكون العقوبات موجهة رسميًا ضد الحكومة الكوبية، لكنها في النهاية تمتد إلى أطباء وممرضين وأسر لا علاقة لهم بالصراع السياسي.

أما الحكومة الكوبية فتتحمل مسؤولية أكبر عن إنشاء نظام يجعل الطبيب سلعة تصديرية ومصدرًا للعملة الصعبة، بينما يحصل على نسبة ضئيلة من المبلغ المدفوع مقابل عمله. وقد وثقت لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان شكاوى واسعة بشأن حصول العاملين في البعثات الطبية الكوبية على جزء محدود من قيمة خدماتهم، إلى جانب صور مختلفة من القيود المالية والإدارية. تقرير لجنة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان

لكن قطر أيضًا لا تستطيع الاكتفاء بالقول إنها دفعت أو حاولت الدفع إلى الجهة الكوبية. فالعاملون موجودون داخل الأراضي القطرية، ويعملون في منشأة صحية تخدم المجتمع القطري، ويخضع نشاطهم اليومي للإدارة الصحية في الدولة. ولذلك تقع على الجهة القطرية مسؤولية التأكد من وصول أجر عادل ومنتظم إليهم.

إذا كانت قطر تدفع آلاف الدولارات شهريًا مقابل كل طبيب، بينما يحصل الطبيب على جزء ضئيل فقط، فمن حق المجتمع أن يعرف أين يذهب الفرق، وما الأساس القانوني والمالي لهذا التوزيع، وهل يملك العامل نسخة من عقده ويعرف القيمة الحقيقية التي تدفعها قطر مقابل خدمته.

الحل يبدأ بالشفافية والدفع المباشر

الحل العاجل هو صرف بدل مالي فوري لجميع المتضررين حتى لا تبقى أسرهم بلا مورد. وبعد ذلك يجب نشر توضيح رسمي يحدد حقيقة التأخير ومسؤولية كل طرف، مع ضمان عدم معاقبة أي طبيب أو ممرض بسبب المطالبة بحقوقه.

أما الحل الدائم فهو إعادة هيكلة الاتفاق بحيث يُدفع راتب العامل مباشرة إلى حسابه داخل قطر، ثم تُفصل أي رسوم حكومية أو إدارية بصورة معلنة ومحددة. ولا يجوز أن تبقى قيمة الطبيب سرًا بين حكومتين بينما لا يعرف هو مقدار ما يُدفع مقابل عمله.

العقوبات الأمريكية قد تكون أشعلت الأزمة، والنظام الكوبي قد يكون أنشأ بنيتها، لكن استمرارها داخل قطر يصبح مسؤولية قطرية أيضًا. فلا يجوز أن يعالج الطبيب المرضى وهو عاجز عن تلبية حاجاته الأساسية، ولا أن تسهر الممرضة على راحة الآخرين بينما تنتظر راتبًا ضئيلًا تأخر بسبب معركة سياسية ومالية لا يد لها فيها.

كرامة العاملين في المستشفى الكوبي ليست شأنًا كوبيًا داخليًا، بل مسؤولية إنسانية وقانونية قطرية ما داموا يعملون ويقيمون على أرض قطر.

المصادر والمراجع: منظمة الصحة العالمية، مرصد الصحة العالمي؛ قاعدة الأمم المتحدة للتجارة الدولية UN Comtrade.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟