الضربة الأمريكية الأخيرة ورسالة “فتح هرمز”... هل بدأت نهاية سياسة الطبل الفارغ الإيرانية

الضربة الأمريكية الأخيرة ورسالة “فتح هرمز”... هل بدأت نهاية سياسة الطبل الفارغ الإيرانية؟

تحليل سياسي–اقتصادي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 26 مايو 2026

الضربة الأمريكية الأخيرة التي وقعت مساء 25 مايو 2026 واستهدفت مواقع وزوارق بحرية إيرانية قرب جزيرة لارك وبندر عباس لم تكن مجرد رد عسكري محدود، بل كانت رسالة استراتيجية عميقة تتعلق بمستقبل مضيق هرمز نفسه، وبمرحلة جديدة يبدو أن واشنطن بدأت ترسم قواعدها بالقوة المباشرة.

المشهد لم يعد يتعلق فقط بمواجهة بحرية عابرة أو استعراض قوة مؤقت، بل بتحول واضح في التفكير الأمريكي تجاه إيران. فواشنطن تريد القول إن عصر استخدام مضيق هرمز كأداة ابتزاز سياسي واقتصادي بدأ يقترب من نهايته، وأن أي محاولة لتعطيل الملاحة أو تهديد ناقلات النفط أو استخدام الألغام والزوارق السريعة سوف تُقابل برد مباشر داخل العمق البحري الإيراني نفسه.

وهنا تعود الصورة التي تحدثنا عنها سابقًا في مقال “إيران والطبل الفارغ”. فالنظام الإيراني خلال العقود الماضية اعتمد بدرجة كبيرة على الضجيج الإعلامي والتهديد النفسي أكثر من اعتماده على القدرة الحقيقية على خوض مواجهة بحرية طويلة مع الولايات المتحدة والتحالفات الغربية. كان يرفع سقف التصريحات حول “إغلاق هرمز” و”حرق المنطقة” و”منع النفط”، لكنه يعلم في النهاية أن الدخول في مواجهة شاملة قد يفتح عليه أبوابًا يصعب إغلاقها.

الضربة الأخيرة كشفت نقطة مهمة جدًا. أن واشنطن لم تعد تكتفي بالتحذير السياسي، بل بدأت عمليًا في فرض مفهوم “فتح هرمز بالقوة إذا لزم الأمر”. وهذا يعني أن الولايات المتحدة تحاول تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أمن الملاحة الدولية ليس ملفًا تفاوضيًا مع إيران، بل خط أحمر عالمي.

ولذلك لم يكن اختيار المناطق المستهدفة عشوائيًا. فبندر عباس وجزيرة لارك تمثلان جزءًا من البنية البحرية التي يعتمد عليها الحرس الثوري في الزوارق السريعة ومراقبة السفن وعمليات التحرش البحري ونشر الألغام البحرية المحتملة. والرسالة هنا ليست إسقاط النظام الإيراني، بل تحجيم أدواته البحرية التي يستخدمها في سياسة “حافة الهاوية” داخل الخليج.

وفي الواقع، فإن العالم بدأ يقترب من مرحلة جديدة عنوانها “فتح الممرات البحرية بالقوة المنظمة”. فكما تحولت حماية الملاحة الدولية في البحر الأحمر إلى ملف عسكري دولي خلال السنوات الأخيرة، يبدو أن مضيق هرمز يسير تدريجيًا نحو نفس النموذج، خصوصًا مع تزايد الحديث عن مرافقة بحرية دولية ومراقبة إلكترونية واسعة وتفتيش بحري متقدم وربما قواعد اشتباك جديدة داخل الخليج العربي نفسه.

وهذا ما يجعل إيران اليوم في موقف أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. لأنها تدرك أن أي خطوة متهورة قد تُستخدم ذريعة لإطلاق مشروع دولي واسع لتأمين هرمز بشكل دائم، وهو الأمر الذي قد يفقدها أهم ورقة ضغط استراتيجية استخدمتها منذ الثورة الإيرانية عام 1979.

المفارقة أن التصعيد الإيراني المتكرر قد يأتي بنتيجة عكسية تمامًا. فبدلًا من إخافة العالم، بدأت دول الخليج وشركات الطاقة والتحالفات البحرية تبحث فعليًا عن خطوط أنابيب بديلة وموانئ جديدة على بحر العرب والبحر الأحمر وشبكات سكك حديدية عملاقة وتوزيع جديد لمسارات الطاقة والإمداد بعيدًا عن الاختناق التقليدي في هرمز. أي أن سياسة التهديد المستمر بدأت تُسرّع المشاريع التي قد تُضعف أهمية الورقة الإيرانية مستقبلًا.

ومن هنا نفهم لماذا تتعامل واشنطن اليوم بثقة أكبر. فهي لا تتحرك فقط عسكريًا، بل ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل جغرافيا الطاقة والنقل في المنطقة وربط الخليج بمنافذ متعددة تقلل الاعتماد المطلق على مضيق هرمز.

أما إيران، فما زالت حتى الآن تتصرف بعقلية “الطبل الفارغ” الذي يصدر ضجيجًا عاليًا عند كل أزمة، لكنه يعلم أن الاصطدام المباشر قد يكون مكلفًا للغاية، خصوصًا في ظل التغيرات الدولية الحالية وتزايد التنسيق الأمني البحري الغربي.

وفي الساعات والأيام القادمة قد تتضح الصورة أكثر. هل ستتراجع طهران نحو التهدئة والمفاوضات؟ أم ستواصل سياسة الضجيج والتصعيد التي قد تدفع العالم فعليًا نحو مشروع “فتح هرمز” بالقوة الدولية المنظمة؟

وفي كل الأحوال، يبدو أن الخليج والمنطقة يقفان أمام مرحلة تاريخية جديدة قد تعيد رسم قواعد الأمن البحري والطاقة لعقود قادمة.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟