خطاب الغدر الخارق
خطاب الغدر الخارق
أكبر عملية غدر حدثت للأمم في التاريخ
قراءة سياسية من منظور المصالح الخليجية
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 25 أكتوبر 2026
قبل أن نتناول خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالأمس، ينبغي أن نستعيد ما قدمته السعودية ودول الخليج للاقتصاد الأمريكي طوال أكثر من نصف قرن.
في عام 1971، انهار نظام ارتباط الدولار بالذهب، ودخلت الولايات المتحدة مرحلة الاضطرابات النقدية والتضخم الكبير. وفي عام 1974، قاد وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر ترتيبات التعاون الاقتصادي والأمني مع السعودية في عهد الملك فيصل، التي ساهمت في تعزيز نظام البترودولار وإعادة تدوير العائدات النفطية داخل الأسواق الأمريكية.
لقد أصبح الدولار العملة المهيمنة على تجارة النفط العالمية، وإن لم تكن هناك معاهدة ملزمة لجميع دول الخليج ببيعه حصرياً بالدولار. ومع استمرار تلك التجارة، تعزز الطلب العالمي على العملة الأمريكية، وعادت أجزاء من العائدات النفطية الخليجية إلى البنوك والسندات والاستثمارات الأمريكية.
وهكذا استفادت واشنطن من نظام ساهم في ترسيخ مكانة الدولار وتمويل ديونها وتوسيع أسواقها المالية، بينما استفادت دول الخليج من عائدات النفط والاستثمار والتعاون الأمني.
وتكشف الأرقام حجم هذه العلاقة. ففي أغسطس 2026، بلغت حيازات السعودية والإمارات والكويت من سندات الخزانة الأمريكية نحو 330 مليار دولار. وهذه ليست سوى شريحة من الاستثمارات الخليجية في الاقتصاد الأمريكي، إلى جانب العقارات والأسهم والمصانع والمشروعات وصفقات الأسلحة.
لقد استمر هذا التعاون أكثر من خمسين عاماً، وأصبح أحد أعمدة العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية بين الجانبين.
ثم جاء يوم السبت 24 أكتوبر 2026.
بالأمس، اعتلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المنبر في ولاية جورجيا، وألقى خطاباً ينبغي أن يسجله التاريخ وأن تحفظه ذاكرة الأجيال الخليجية القادمة.
لم يكن المتحدث عدواً للخليج، بل رئيس الدولة التي أقامت قواعدها العسكرية على أراضيه، وباعت له أسلحة الدفاع بمئات المليارات، وقدمت نفسها باعتبارها الضامن الأكبر لأمنه واستقراره.
وقف ترامب ليعلن أن الولايات المتحدة تحقق مئات المليارات من الدولارات بسبب ما يحدث في الشرق الأوسط، وأن المشترين يتجهون إلى تكساس وأوكلاهوما ولويزيانا للحصول على النفط الأمريكي.
ثم انتقل إلى الحديث عن مئات المليارات والتريليونات، وأدخل فنزويلا وغرينلاند في حساباته المتعلقة بالثروات والموارد.
ولم يتوقف عند ذلك، بل كشف أن مستشاريه نصحوه بعدم التباهي بهذه الأرباح، لأن الأمريكيين يعانون ارتفاع أسعار الوقود. لكنه رفض التحفظ، وقال: «لا أبالي»، وأعلن أن بلاده تحقق ثروة هائلة.
إن هذه الكلمات تستحق التحليل والتوثيق.
عندما يقول إن أمريكا تربح بسبب ما يحدث في الشرق الأوسط، فهو يربط المكاسب الاقتصادية الأمريكية بالأزمة مباشرة.
وعندما يسمي الولايات المنتجة للنفط، فهو يحدد المستفيدين داخل الاقتصاد الأمريكي.
وعندما يتباهى بالتريليونات، فإنه يستخدم أرقاماً ضخمة لم يقدم حسابات مالية تثبت تحققها.
أما عندما يعلن أن أسعار النفط ستنخفض بصورة كبيرة بانتهاء الحرب، فإنه يقر بأن الاضطراب الحالي رفع الأسعار وخلق فرصاً استثنائية للمنتجين الأمريكيين.
لكن الخطورة الحقيقية لا تكمن في الكلمات وحدها، بل في الوقائع التي سبقتها.
ففي 28 فبراير 2026، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم العسكري على إيران، لتدخل المنطقة في حرب امتدت آثارها إلى المنشآت الاقتصادية والموانئ والمضائق الخليجية.
لم تكن أمريكا مراقباً محايداً لهذه الحرب، بل طرفاً مباشراً في إشعالها. وبعد نحو ثمانية أشهر، وقف رئيسها يتباهى بالمكاسب التي تحققها صناعة الطاقة الأمريكية من اضطرابات الشرق الأوسط.
هذه العلاقة بين القرار العسكري والمصلحة الاقتصادية تفرض مساءلة سياسية وتاريخية عميقة. فالاستفادة من الحرب لا تثبت وحدها أنها كانت الدافع الأصلي لشنها، لكنها تثير قضية خطيرة تتعلق باحتمال تأثير الأرباح في قرارات استمرار الحرب أو إنهائها.
والأرقام تكشف حجم ما يدفعه الخليج.
فبحسب تقرير رويترز في 26 أغسطس 2026، خسرت قطر نحو 24 مليار دولار من مبيعات الغاز خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، وتراجعت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 96%.
وانخفض عدد الشحنات القطرية إلى 18 شحنة، مقابل 509 شحنات خلال الفترة المقابلة من العام السابق، بينما زادت الصادرات الأمريكية لتعويض جزء من النقص العالمي.
هذه ليست خسارة تجارية عابرة، بل مؤشر على انتقال فرص اقتصادية من منتج خليجي متضرر إلى منافسين خارجيين.
وهنا تتجسد المفارقة التي يستند إليها وصف الغدر الخارق.
فالدول التي ساهمت في تعزيز النظام المالي الأمريكي لعقود أصبحت تواجه حرباً تهدد شرايين اقتصادها، بينما يعلن رئيس حليفها العسكري أن بلاده تحقق منها ثروة هائلة.
لقد عرف التاريخ انهيار التحالفات ونقض الاتفاقات وغزو الدول التي كانت تتعاون فيما بينها. لكن المشهد الحالي يطرح تناقضاً خاصاً بين عمق العلاقة الاقتصادية والأمنية الخليجية الأمريكية، وبين دور واشنطن العسكري ومكاسب قطاع الطاقة لديها.
والأشد خطورة أن المصيبة لن تتوقف بالضرورة عند حدود الحرب الحالية.
فعندما تتعطل صادرات الغاز والنفط، وتتضرر المنشآت، وترتفع تكاليف التأمين والتمويل، تبدأ الأسواق العالمية البحث عن موردين بديلين أكثر استقراراً.
وقد يخسر الخليج عقوداً طويلة الأجل، وتتأخر استثماراته العملاقة، وتتضرر إيرادات تستخدم في التعليم والصحة والإسكان والبنية التحتية وفرص العمل.
إن الأجيال القادمة قد تتحمل نتائج اقتصادية وأمنية لحرب لم تشارك في قرار إشعالها.
ولهذا فإن الواجب التاريخي يفرض على دول الخليج إعادة تقييم مفهوم الحليف والضمانات الأمنية الخارجية.
إن القواعد الأجنبية وصفقات الأسلحة لا تكفي وحدها لحماية أمن المنطقة إذا أصبحت مصالح القوة الحليفة متعارضة مع مصالح الدول التي تستضيفها.
ويجب أن تتحول الثروة الخليجية إلى قوة أمن جماعي مستقلة القرار، وأن تُبنى شبكات أنابيب للنفط والغاز وموانئ تصدير بديلة، وأن تتوسع العلاقات الدولية بما يمنع احتكار القرار الأمني الخليجي من أي قوة خارجية.
وليس المطلوب قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، وإنما إقامة علاقة تقوم على المصالح المتوازنة، لا على افتراض أن الحليف لن يتسبب يوماً في تعريض المنطقة للخطر.
لقد ساهم الخليج في ترسيخ نظام البترودولار طوال نصف قرن، لكن هذه المساهمة لم تمنع وقوع حرب شاركت أمريكا في إشعالها، وألحقت أضراراً اقتصادية جسيمة بحلفائها الخليجيين.
وسيسجل التاريخ أن الرئيس الأمريكي وقف يوم 24 أكتوبر 2026 معلناً المكاسب الهائلة التي يقول إن بلاده تحققها من اضطرابات الشرق الأوسط، في وقت كانت فيه المنطقة تدفع أثمان الحرب من أمنها واستقرارها وثرواتها.
إن وصف الغدر الخارق يعبر عن هذه المفارقة السياسية وعن خطورة الثقة التي لا تساندها قوة مستقلة.
وأخطر ما قد نورثه لأبنائنا وأحفادنا ليس منشأة مدمرة أو خسارة مالية، بل منظومة أمنية تجعل مستقبلهم مرهوناً بقرارات الآخرين، حتى عندما تتحول أزماتهم إلى فرص ربح لأولئك الآخرين.
لقد ساهم الخليج في بناء قوة الاقتصاد الأمريكي طوال عقود، وحان الوقت لأن يجعل من ثرواته أساساً لقوته وأمنه واستقلال قراره.
فالأمم التي لا تحمي مستقبلها بنفسها قد تجد نفسها تدفع ثمن حروب الآخرين، بينما يحتفل الآخرون بأرباحها.
المصادر التي استند إليها المقال: مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بشأن التعاون السعودي الأمريكي وإعادة تدوير البترودولار عام 1974، وبيانات الخزانة الأمريكية لأغسطس 2026، ونص خطاب ترامب في 24 أكتوبر، وتقارير رويترز عن بدء الحرب وخسائر الغاز القطري.
المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ صندوق النقد الدولي، آفاق الاقتصاد العالمي.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment