الاتفاق الأمريكي الإيراني القادم.. والدروس الخليجية القاسية

الاتفاق الأمريكي الإيراني القادم.. والدروس الخليجية القاسية

تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 17 يونيو 2026

لم تعد الحرب الأمريكية الإيرانية مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل أصبحت مدرسة سياسية قاسية فهم منها أهل الخليج مجموعة من الدروس العميقة حول معنى التحالفات، وحقيقة المصالح، وطبيعة الاتفاقيات التي تُصاغ فوق رؤوس الشعوب والدول المتضررة.

فالخليج، الذي دفع لعقود طويلة أثمان التوتر الإيراني، وجد نفسه مرة أخرى أمام اتفاق أمريكي إيراني لا يبدو أنه صُمم من أجل حماية دول الخليج أولًا، بل من أجل وقف الصدام المباشر بين واشنطن وطهران، وضبط أمن إسرائيل، وإدارة التوتر بما يخدم مصالح القوى الكبرى.

أول الدروس أن أمريكا ليست حليفًا يمكن الوثوق به ثقة مطلقة، بل قوة كبرى تدير توازنات لا صداقات. فهي لا تنظر إلى المنطقة بعين الوفاء، بل بعين المصلحة. وعندما تقتضي المصلحة التهدئة مع إيران، فإنها تفاوضها. وعندما تقتضي المصلحة الضغط عليها، فإنها تضغط. أما أمن الخليج فيبقى غالبًا بندًا مؤجلًا أو ورقة تفاوضية لا أصلًا ثابتًا في الاستراتيجية الأمريكية.

أما الدرس الثاني فهو أن إسرائيل ليست دولة تبحث عن سلام المنطقة، بل دولة تعيش على هندسة المخاوف، وخلق الأزمات، ودفع الآخرين إلى الحروب التي تخدم أمنها أولًا. ولهذا فإن أي اتفاق أمريكي إيراني لا يضع أمن الخليج في قلبه، ويجعل حماية إسرائيل جوهره الصامت، سيبقى اتفاقًا ناقصًا من وجهة النظر الخليجية.

والدرس الثالث أن إيران، مهما ضعفت، لا يجب إعادة تقويتها على حساب أموال الخليج وأمن الخليج واستقرار الخليج. فالخطر لا يكمن فقط في إيران القوية، بل في إيران الضعيفة التي يُعاد تأهيلها دوليًا ثم تُستخدم مرة أخرى كأداة ضغط على المنطقة. وهذا أخطر أنواع السياسة؛ أن تُضعف خصمًا ثم تعيد إنعاشه بالقدر الذي يكفي لإبقاء الخوف حيًا في نفوس جيرانه.

ومن هنا تبدو الاتفاقيات الكبرى في الشرق الأوسط وكأنها أدوات لإدارة الابتزاز المالي والسياسي، لا لإنهاء الأزمات. فحين تبقى إيران مصدر تهديد، يبقى الخليج مضطرًا للإنفاق على الأمن والسلاح والحماية. وحين تُفتح لها أبواب المال بشروط، تتحول العقوبات نفسها إلى أداة تحكم أمريكية طويلة الأمد.

هذه هي الاستراتيجية الخبيثة: لا حرب شاملة تنهي الخطر، ولا سلام كامل يطمئن المنطقة، بل توتر مستدام يكفي لإبقاء الجميع خائفين، منفقين، ومحتاجين إلى الوسيط الأمريكي.

لذلك فإن الاتفاق الأمريكي الإيراني القادم، من وجهة نظر خليجية ناقدة، لا يُقرأ كبداية سلام حقيقي، بل كإعادة تدوير للأزمة. فهو لا يتحدث بوضوح عن الأذرع المسلحة الإيرانية، ولا عن الصواريخ والمسيرات، ولا عن ضمانات عدم الاعتداء على دول الخليج، ولا عن تعويض الدول التي دفعت ثمن سنوات من الفوضى والتهديد.

وهنا يتضح جوهر الأزمة: واشنطن وطهران قد تتفقان على عدم الاعتداء بينهما، لكن من يضمن ألا يبقى الخليج ساحة ضغط؟ ومن يضمن ألا تتحول المنطقة مرة أخرى إلى مسرح لتبادل الرسائل بين الكبار؟

لقد فهم أهل الخليج أن زمن الاتكال الكامل على الخارج يجب أن ينتهي. فالأمن لا يُستورد إلى الأبد، والحماية التي تأتي من الخارج تأتي دائمًا بثمن سياسي ومالي واستراتيجي.

ولهذا يبرز اليوم درس رابع لا يقل أهمية: أن البديل القادم يجب أن يكون بناء كتلة إسلامية قوية ومتوازنة تضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، باعتبارها دولًا تملك الوزن السكاني والعسكري والسياسي والاقتصادي القادر على إعادة تشكيل توازنات المنطقة.

السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، وتركيا بقدرتها الصناعية والعسكرية، ومصر بعمقها السكاني والجغرافي، وباكستان بقدرتها الاستراتيجية والعسكرية، يمكن أن تشكل مع دول الخليج مظلة أوسع من الاعتماد الأحادي على واشنطن.

ليست الدعوة هنا إلى استبدال تبعية بتبعية، بل إلى بناء توازن جديد يمنح المنطقة صوتًا وقوة وقدرة على حماية نفسها. فالخليج لا يحتاج إلى عداوات مجانية، لكنه يحتاج إلى استقلال استراتيجي يمنعه من أن يكون دائمًا خزينة مفتوحة للحروب التي لا يقررها، وساحة للاتفاقيات التي لا تصاغ لمصلحته.

الخلاصة أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تكشف قوة إيران ولا صدق أمريكا ولا براءة إسرائيل، بل كشفت أن المنطقة لا يحميها إلا أهلها وحلفاؤها الحقيقيون. وكل اتفاق لا يضع أمن الخليج في مركزه، ولا يعالج أذرع إيران وصواريخها ومسيراتها، ولا يوقف الابتزاز المالي والسياسي المستمر، سيبقى في نظر أهل الخليج اتفاقًا ناقصًا، وربما خطرًا مؤجلًا بثوب سلام مؤقت.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟