مهاجمة السفن في الجانب العُماني من هرمز- البعد القانوني
مهاجمة السفن في الشطر العُماني من هرمز… المعضلة القانونية التي تحاصر إيران
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 20 أغسطس 2026
لم يعد الصراع في مضيق هرمز متعلقًا فقط بقدرة إيران العسكرية على تعطيل الملاحة، بل أصبح مرتبطًا بسؤال قانوني بالغ الخطورة: ماذا يحدث إذا هاجمت إيران سفنًا تجارية أثناء عبورها في الشطر العُماني من المضيق؟
الإجابة المباشرة هي أن إيران ستواجه معضلة قانونية وسياسية كبيرة؛ لأن الهجوم في المياه العُمانية لا يُعد مجرد اعتراض لسفينة، وإنما قد يجمع في واقعة واحدة انتهاك سيادة سلطنة عُمان، والاعتداء على دولة علم السفينة، وتهديد سلامة الملاحة الدولية، وتعطيل المرور في مضيق دولي يستخدمه العالم كله.
الشطر العُماني ليس منطقة مباحة
يعتقد بعض الناس أن وصف هرمز بأنه «مضيق دولي» يعني أن مياهه لا تخضع لسيادة أي دولة. وهذا غير صحيح. فمياه المضيق موزعة أساسًا بين البحر الإقليمي الإيراني شمالًا والبحر الإقليمي العُماني جنوبًا. لكن الطبيعة الدولية للمضيق تمنح السفن حق العبور المستمر والسريع بين الخليج وبحر عُمان.
تمر معظم خطوط الملاحة المعتمدة في الشطر العُماني؛ لأنها تشكل الطريق الأكثر ملاءمة وأمانًا لحركة الناقلات والسفن الضخمة. ولذلك فإن وجود السفينة داخل مضيق دولي لا يلغي سيادة عُمان على مياهها، كما أن السيادة العُمانية لا تعطيها حق إغلاق المضيق أمام المرور الدولي المشروع.
هنا يظهر التوازن الذي أقامه قانون البحار: السيادة للدولة الساحلية، لكن الملاحة مضمونة للمجتمع الدولي.
وقد صادقت سلطنة عُمان على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1989، بينما وقّعت إيران الاتفاقية ولم تصدق عليها. وتحاول طهران الاستفادة من هذه النقطة للقول إنها غير ملزمة بجميع أحكام الاتفاقية، خصوصًا نظام «المرور العابر». لكن غالبية الدول تعتبر حرية المرور في المضائق الدولية قاعدة مستقرة في القانون الدولي العرفي، لا مجرد حق تعاقدي بين الدول المصدقة على الاتفاقية.
ومهما استمر الخلاف حول موقف إيران من الاتفاقية، فإنه لا يمنحها أي سلطة داخل البحر الإقليمي العُماني.
انتهاك مباشر لسيادة عُمان
إذا أطلقت إيران صاروخًا أو طائرة مسيّرة أو أرسلت زوارق مسلحة لمهاجمة سفينة داخل المياه العُمانية، فإنها تكون قد استخدمت القوة في إقليم بحري تابع لدولة أخرى.
والقاعدة الأساسية في ميثاق الأمم المتحدة تحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي. والبحر الإقليمي، من الناحية القانونية، جزء من إقليم الدولة، وليس منطقة مفتوحة تستطيع قوة أجنبية تنفيذ عمليات عسكرية فيها متى شاءت.
لذلك لن يكون السؤال القانوني متعلقًا بالسفينة وحدها، بل بحق عُمان في حماية سيادتها ومياهها وموانئها وممراتها البحرية.
وحتى إذا أطلقت إيران السلاح من داخل أراضيها أو مياهها، فإن ذلك لا يعفيها من المسؤولية. فالعبرة ليست فقط بمكان إطلاق الصاروخ أو المسيّرة، بل أيضًا بالمكان الذي استُهدف وبالنتيجة التي أحدثها الهجوم.
إذا وقع الانفجار داخل المياه العُمانية، أو أصاب سفينة تعبر فيها، فإن سيادة عُمان تكون قد تعرضت للانتهاك، حتى لو لم تدخل قطعة بحرية إيرانية تلك المياه.
السفينة ليست بلا دولة
كل سفينة مسجلة ترفع علم دولة معينة، وتحمل جنسيتها القانونية. ولذلك فإن مهاجمة ناقلة في الشطر العُماني لا تخلق أزمة بين إيران وعُمان فقط، بل تفتح نزاعًا إضافيًا مع دولة العلم.
وقد تكون ملكية السفينة أو حمولتها أو الشركة التي تديرها مرتبطة بدول أخرى. وهكذا يمكن لهجوم واحد أن يمس في وقت واحد سلطنة عُمان، ودولة العلم، ودولة مالكة للسفينة، ودولة صاحبة الشحنة، ودولًا يعتمد أمنها الاقتصادي على وصول النفط أو الغاز.
هذه الطبيعة الدولية للنقل البحري تجعل أي اعتداء على ناقلة تجارية قابلًا للتحول بسرعة من حادث محدود إلى قضية دولية متعددة الأطراف.
كما تستطيع الدول المتضررة المطالبة بإجراء تحقيق دولي، وتقديم الأدلة إلى مجلس الأمن، والمطالبة بالتعويض عن السفينة والحمولة والأضرار البيئية والخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطيل الملاحة.
لكن نسبة الهجوم إلى إيران يجب أن تقوم على أدلة يمكن إثباتها، مثل بيانات الرادار، وصور الأقمار الصناعية، وبقايا الذخيرة، ومسار الطائرة المسيّرة، والاتصالات العسكرية وشهادات طاقم السفينة. فالاتهام السياسي وحده لا يكفي لإقامة مسؤولية قانونية كاملة.
هل تستطيع إيران الاحتجاج بالدفاع عن النفس؟
قد تحاول إيران القول إن بعض السفن تقدم دعمًا لأعدائها، أو تنقل تجهيزات عسكرية، أو تشارك في الحصار المفروض عليها. لكن هذا الادعاء لا يحول كل سفينة تجارية إلى هدف عسكري.
الأصل أن السفن المدنية محمية. ولا تفقد الحماية إلا إذا أصبحت هدفًا عسكريًا فعليًا وفق قواعد النزاعات المسلحة، أو شاركت بصورة مباشرة ومثبتة في عمليات قتالية. وحتى عند وجود هدف عسكري، تظل إيران مطالبة باحترام مبادئ الضرورة والتناسب والتمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية.
كما أن وجود هدف عسكري محتمل داخل المياه العُمانية لا يمنح إيران حقًا تلقائيًا في مهاجمته من دون موافقة مسقط. فالدفاع عن النفس ليس تصريحًا مفتوحًا لتنفيذ العمليات داخل أراضي الدول الأخرى.
يجب أن تثبت إيران وجود تهديد مسلح حقيقي ووشيك، وأن يكون الهجوم ضروريًا لوقفه، وألا توجد وسيلة أقل خطورة، وأن تكون القوة المستخدمة متناسبة مع التهديد. وهذه شروط صعبة، خصوصًا إذا كانت السفينة مدنية وتعبر المضيق بصورة طبيعية.
حق عُمان في الرد وطلب المساعدة
إذا ثبت أن إيران نفذت هجومًا مسلحًا داخل المياه العُمانية، تستطيع مسقط الاحتجاج بانتهاك سيادتها، وطلب اجتماع عاجل لمجلس الأمن، والمطالبة بتحقيق دولي وتعويضات وضمانات بعدم تكرار الاعتداء.
وإذا بلغ الهجوم مستوى «الهجوم المسلح» وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فقد يثبت لعُمان حق الدفاع عن النفس. كما يمكنها طلب المساعدة من دول أخرى لحماية مياهها وسفنها ومنشآتها، بشرط أن تكون هذه المساعدة بطلب عُماني واضح وتحت إطار قانوني معلن.
وهنا تكمن أخطر النتائج بالنسبة لإيران. فمهاجمة السفن في الشطر العُماني قد تمنح وجود قوات بحرية دولية أساسًا قانونيًا أقوى؛ لأنها لن تدخل المياه العُمانية من تلقاء نفسها، وإنما بناء على دعوة الدولة صاحبة السيادة.
وبذلك تكون إيران قد حولت ما تعتبره مواجهة مع خصومها إلى قضية دفاع عن سيادة عُمان وحماية الملاحة الدولية.
إيران أمام فخ قانوني وسياسي
قد تتمكن إيران عسكريًا من إطلاق صاروخ أو إرسال طائرة مسيّرة نحو سفينة عابرة، لكن القدرة العسكرية لا تصنع حقًا قانونيًا. وكلما اقتربت الهجمات من خطوط الملاحة الواقعة في المياه العُمانية، تقل مساحة الادعاء الإيراني بالسيادة، وتتسع دائرة الدول التي يمكن أن تتحرك ضدها.
إن الهجوم في الشطر الإيراني قد يثير نزاعًا معقدًا حول حق المرور وحدود سلطة الدولة الساحلية. أما الهجوم في الشطر العُماني فيضع إيران أمام حقيقة أوضح: أنها تستخدم القوة في إقليم دولة أخرى ضد سفينة تتمتع بحق قانوني في العبور.
ولهذا فإن الشطر العُماني يمثل اليوم نقطة الضعف الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية داخل هرمز. فإذا تركت إيران السفن تعبر من خلاله، فإن قدرتها على إغلاق المضيق تصبح ناقصة. وإذا هاجمتها، فإنها تنتهك سيادة عُمان وتمنح المجتمع الدولي مبررًا أقوى للتدخل.
هذه هي المعضلة الحقيقية: إيران لا تستطيع فرض سيطرتها الكاملة على هرمز من دون تجاوز حدودها، لكنها إذا تجاوزت تلك الحدود فقد تحوّل المضيق من ورقة ضغط بيدها إلى أساس قانوني لتشكيل جبهة دولية ضدها.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ المنظمة البحرية الدولية، الأمن البحري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment