إسرائيل والبحث عن أمن إقليمي في الشرق الأوسط

إسرائيل تبحث عن أمن إقليمي مفقود في قاع رمال الشرق مع دول هشة وضعيفة

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 20 أكتوبر 2026

بعد ثلاث سنوات من الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة، خرج بنيامين نتنياهو في 18 أكتوبر 2026 ليعرض ما سماه العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل، مستعينًا بخريطة للتحالفات الإقليمية تمتد من شرق البحر المتوسط إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر. لكن القراءة المتأنية لهذه الخريطة تكشف مأزقًا سياسيًا واستراتيجيًا أكثر مما تكشف عن تحالف قوي قادر على ضمان الأمن الإسرائيلي.

فإسرائيل التي استخدمت قوتها العسكرية الهائلة لتدمير أجزاء واسعة من غزة، لم تتمكن من تحويل تفوقها العسكري إلى تسوية سياسية مستقرة، ولم تستطع إنهاء الصراع الفلسطيني أو إقناع شعوب المنطقة بأن قوتها العسكرية تمنحها الحق في فرض النظام الإقليمي الذي تريده.

وهنا يظهر التناقض الكبير بين الخطاب الإسرائيلي والواقع. فبعد كل ما استخدمته إسرائيل من سلاح وتكنولوجيا ودعم أمريكي، تعود للبحث عن الأمن خارج حدودها، في صحارى السودان وليبيا، وعلى سواحل الصومال، وبين التشكيلات المسلحة المتنازعة في اليمن، وكأن أمن دولة تدعي التفوق الإقليمي يمكن بناؤه على أطراف لا تملك هي نفسها ضمانات الاستقرار.

والأشد دلالة أن الخريطة التي استعرضها نتنياهو ليست من إنتاج المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وإنما أعدها الباحثان مارك ساكسر وماركوس شنايدر ونشرتها مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في مايو 2026. وقد تناولت شبكة إسرائيل والإمارات بوصفها محورًا ناشئًا يسعى إلى توسيع نفوذه، وليس باعتبارها تحالفًا عسكريًا مكتمل الأركان.

ويضم المحور دولًا ذات سيادة مثل الإمارات واليونان وإثيوبيا، لكنه يضع إلى جانبها كيانات متنازعًا على وضعها السياسي، مثل أرض الصومال، وتشكيلات مسلحة تشمل قوات الدعم السريع السودانية وقوات خليفة حفتر في ليبيا وأطرافًا في جنوب اليمن.

ولا يصح بالطبع وصف كل هذه الدول بالضعف، فبعضها يمتلك اقتصادًا قويًا أو قدرات عسكرية معتبرة. لكن الضعف الحقيقي يظهر عند النظر إلى المحور باعتباره كيانًا واحدًا. فهو يفتقر إلى معاهدة دفاع جماعي تشمل جميع أطرافه، ولا توجد له قيادة موحدة أو مؤسسات أمنية مشتركة أو التزامات واضحة تحدد مسؤولية كل طرف إذا تعرض الآخر لهجوم.

إن العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والإمارات، والتعاون الأمني مع اليونان، لا يتحولان تلقائيًا إلى تحالف عسكري مع جماعات مسلحة في السودان وليبيا واليمن. وهناك فرق جوهري بين دولة ترتبط بمعاهدة رسمية، وتشكيل محلي يبحث عن الدعم الخارجي أو الاعتراف السياسي.

بل إن إدراج قوات الدعم السريع ضمن دائرة الأطراف الصديقة لهذا المحور يطرح تساؤلًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا. فهذه القوات وثقت الأمم المتحدة ارتكابها جرائم حرب وانتهاكات قد ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية في السودان. وإذا كانت مثل هذه التشكيلات تدخل في حسابات الأمن الإقليمي الإسرائيلي، فإن ذلك لا يمنح المحور قوة مؤسسية، بل يكشف مدى هشاشة بعض العلاقات التي يُراد تقديمها باعتبارها شبكة استراتيجية.

وتزداد هشاشة هذه الخريطة بسبب تشتتها الجغرافي. فما الذي يربط مصالح إثيوبيا في مياه النيل بمصالح اليونان في شرق المتوسط، وبمصالح الأطراف المتنازعة على السلطة في ليبيا، أو الجماعات المسلحة المتنافسة في اليمن؟

ليس هناك مشروع اقتصادي إقليمي جامع، ولا منظومة دفاع جماعي موثقة، ولا حتى اتفاق سياسي شامل يحدد أهداف هذا المحور. إنما توجد مصالح متفرقة قد تتقاطع اليوم وتتصادم غدًا.

والأخطر على المشروع الإسرائيلي هو افتقاره إلى قاعدة شعبية عربية واسعة. فقد أظهرت استطلاعات الباروميتر العربي بعد حرب غزة تراجع التأييد الشعبي للتطبيع مع إسرائيل في البلدان التي شملتها. ولا تستطيع الاتفاقيات الرسمية وحدها إلغاء موقف الشعوب من القضية الفلسطينية، خصوصًا بعد حجم الدمار والضحايا المدنيين الذين خلفتهم الحرب.

وهنا تكمن المشكلة التي لا تستطيع الخرائط إخفاءها. فالحكومات تتغير، والقيادات العسكرية تتبدل، والتشكيلات المسلحة قد تنهار أو تفقد مناطق نفوذها. أما العداء الشعبي الناتج عن الحروب والاحتلال والمعاناة الإنسانية، فلا يزول بتوقيع اتفاقيات أو إقامة قواعد أمنية.

ولعل أوضح دليل على المأزق الإسرائيلي يأتي من داخل إسرائيل نفسها. فقد أظهر استطلاع نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في سبتمبر 2026 أن 27% فقط من الجمهور الإسرائيلي يرون أن إسرائيل انتصرت في حرب غزة، بينما بلغت نسبة من اعتبروا إسرائيل منتصرة في المواجهة مع إيران 23% فقط.

هذه الأرقام لا تعني انهيار القوة العسكرية الإسرائيلية، لكنها تكشف أزمة ثقة في النتائج الاستراتيجية للحرب. فالتفوق في السلاح ليس مرادفًا لتحقيق الأمن، والقدرة على تدمير المدن لا تعني القدرة على فرض سلام مستقر.

لقد دفعت غزة ثمنًا إنسانيًا هائلًا، وما زال سكانها يعيشون وسط الدمار والنزوح ونقص الخدمات الأساسية. وفي سبتمبر 2026، أكدت الأمم المتحدة أن وقف إطلاق النار لم يؤد بعد إلى تعافٍ فعلي واسع النطاق، وأن العمليات العسكرية والمخاطر الإنسانية لا تزال قائمة.

وبينما تعلن الحكومة الإسرائيلية تحقيق إنجازات عسكرية، لا تزال تبحث عن صيغة أمنية تضمن المستقبل، وعن شركاء إقليميين يساعدونها على تجاوز العزلة السياسية التي عمقتها الحرب.

كما أصبحت إسرائيل تواجه ضغوطًا قانونية ودبلوماسية لم تكن بالحجم نفسه قبل الحرب. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر 2024 مذكرة توقيف بحق نتنياهو على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ينفيها، ولم يصدر بشأنها حكم إدانة نهائي.

وفي مقابل المحور الإسرائيلي المتناثر، يظهر تقارب جديد بين السعودية وتركيا وباكستان، توجته اتفاقية مكة للدفاع المشترك في أغسطس 2026، والتي تنص على اعتبار الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. وهذا الترتيب يختلف عن مجرد رسم مناطق نفوذ على خريطة؛ لأنه يستند إلى اتفاق معلن بين دول ذات مؤسسات وجيوش وطنية.

وتشارك مصر وقطر ودول عربية أخرى في علاقات وتفاهمات إقليمية واسعة، وإن لم تكن جميعها أطرافًا في اتفاقية مكة. ولا يعني ذلك وجود جبهة عربية إسلامية موحدة ضد إسرائيل، لكنه يوضح إمكانية بناء تعاون أمني مستقل لا تكون إسرائيل مركزه ولا تكون الولايات المتحدة بالضرورة صاحبة القرار الوحيد فيه.

وهذا تحديدًا ما يمكن أن يحد من النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. فكلما اتجهت الدول العربية والإسلامية إلى معالجة خلافاتها وتنسيق أمنها البحري والاقتصادي والعسكري، تراجعت قدرة القوى الخارجية على الاستفادة من الانقسامات وتقديم نفسها وسيطًا أو ضامنًا لا غنى عنه.

إن إسرائيل لا تفتقر إلى السلاح، ولا إلى التكنولوجيا، ولا إلى الدعم الأمريكي، وإنما تواجه مشكلة أعمق تتعلق بقبول دورها الإقليمي وبالنتائج السياسية للحروب التي تخوضها.

ويبدو أن نتنياهو يحاول تعويض هذا النقص بتوسيع شبكة العلاقات المحيطة بإسرائيل، غير أن توسيع مساحة اللون الأزرق على الخريطة لا يعني توسيع مساحة الأمن الحقيقي.

فلا يمكن الحصول على شرعية إقليمية بمجرد إقامة علاقات مع قيادات محلية منعزلة عن إرادة شعوبها، كما لا يمكن تحويل تشكيلات مسلحة متورطة في حروب أهلية إلى ضمانة طويلة الأمد لأمن دولة أخرى.

ومن هنا فإن الإحباط الاستراتيجي الإسرائيلي، كما تعكسه نتائج استطلاعات الرأي الداخلية واستمرار البحث عن عقيدة أمنية وتحالفات جديدة، لا ينبع من نقص القوة العسكرية، بل من محدودية ما حققته تلك القوة سياسيًا.

لقد كشفت حرب غزة حدود النظرية التي تقول إن الردع العسكري وحده يستطيع إخضاع المنطقة وترتيب مستقبلها. وقد تجد إسرائيل شركاء أمنيين أو اقتصاديين هنا وهناك، لكنها لن تستطيع بسهولة تحويل هؤلاء إلى نظام إقليمي مستقر يتجاوز القضية الفلسطينية أو يحظى بقبول شعبي واسع.

وفي النهاية، فإن الخريطة التي عرضها نتنياهو قد تكون أقرب إلى خريطة احتياجات إسرائيل الأمنية منها إلى خريطة قوتها الحقيقية.

إنها صورة لدولة تمتلك جيشًا متقدمًا، لكنها لا تزال تبحث عن الطمأنينة السياسية؛ وتمتلك علاقات دولية واسعة، لكنها تعاني من فجوة عميقة بينها وبين مجتمعات المنطقة؛ وتستطيع الوصول عسكريًا إلى مسافات بعيدة، لكنها لم تستطع حتى الآن الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة مع الشعب الفلسطيني.

وهكذا تبحث إسرائيل عن أمن إقليمي مفقود في قاع رمال الشرق، بين دول تواجه أزماتها الخاصة، وكيانات متنازعة على الشرعية، وتشكيلات مسلحة لا تستطيع ضمان مستقبلها هي نفسها.

فالتحالفات لا تُقاس بطول الحدود الملونة على الخرائط، وإنما بقوة المعاهدات، واستقرار المؤسسات، وصدق المصالح المشتركة، ومدى قبول الشعوب بها.

والأمن الذي عجزت القوة العسكرية وحدها عن تحقيقه في غزة، لن تصنعه بالضرورة تحالفات هشة موزعة بين رمال السودان وليبيا وسواحل القرن الأفريقي.

المصادر التي استند إليها المقال: البيان الرسمي الإسرائيلي الصادر في 18 أكتوبر 2026 ، ودراسة مؤسسة فريدريش إيبرت لخريطة التحالفات ، واستطلاع معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي بتاريخ 24 سبتمبر 2026 ، وتقرير الأمم المتحدة عن انتهاكات قوات الدعم السريع ، ودراسة الباروميتر العربي عن تراجع تأييد التطبيع ، واتفاقية مكة للدفاع المشترك ، وتقارير الأمم المتحدة عن غزة ، وسجل المحكمة الجنائية الدولية .

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟