مواجهة إيران… بعقلية متحجرة أم بعقلية منفتحة تُوحّد الدول الخليجبه ومجتمعاتها
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق
لم يعد الخطر الذي يواجه دول الخليج اليوم يُقاس فقط بالصواريخ أو التحركات العسكرية، بل بمدى تماسك الداخل وقدرته على الصمود أمام الضغوط المركبة. فالدولة التي تبدو قوية من الخارج قد تكون هشة من الداخل إذا كانت تُدار بعقلية جامدة تفصل بينها وبين مجتمعها. في هذا السياق، لا يصبح التهديد الخارجي هو المشكلة الأساسية، بل البيئة الداخلية التي تسمح له بالتأثير والتغلغل دون مقاومة حقيقية.
تحجّر العقول ليس ضعفاً في القدرات، بل جمود في التفكير واستمرار في إدارة الدولة بالأدوات القديمة رغم تغيّر الزمن. حين يستمر الاعتماد على النموذج الريعي، ويُنظر إلى توسيع المشاركة كخطر بدلاً من كونه مصدر قوة، وتُكرر نفس الحلول دون ابتكار، فإن الدولة لا تتقدم نحو المستقبل، بل تُعيد تدوير الماضي. هذا الجمود يصنع فجوة بين القرار والواقع، ويجعل التقدير الداخلي للقوة أعلى من حقيقتها الفعلية.
ومن داخل هذا الجمود يتشكل نمط أخطر، وهو الفصل غير المعلن بين الدولة والمجتمع. حيث تُدار الدولة ضمن دائرة ضيقة تتحكم في القرار والثروة، بينما يعيش المجتمع داخلها دون أن يكون جزءاً حقيقياً من صناعتها. في هذا النموذج تصبح الفرص غير متكافئة، والأسواق أقل انفتاحاً، والقرار بعيداً عن نبض القاعدة، فينشأ شعور صامت بأن الدولة كيان منفصل، وليس امتداداً طبيعياً للمجتمع.
هذا الفصل لا يبقى مجرد خلل إداري، بل يتحول في زمن الصراعات الحديثة إلى ثغرة أمنية حقيقية. فالتهديدات اليوم لا تعتمد فقط على المواجهة المباشرة، بل على استغلال الفجوات الداخلية، وتحريك نقاط الضعف، والتأثير طويل المدى على الاستقرار. أي انقسام داخلي—even لو كان غير معلن—يمكن أن يتحول إلى مدخل للتأثير الخارجي، وأي شعور بالتهميش قد يُستغل كأداة ضغط، وأي بطء في التغيير يُقرأ كفرصة من قبل الخصوم.
إن طبيعة التهديدات الإقليمية الحديثة تقوم على الصبر والعمل غير المباشر، وليس على الصدام فقط. وفي هذا النوع من الصراع، لا يكفي امتلاك القوة العسكرية، بل يجب امتلاك جبهة داخلية متماسكة ترى نفسها جزءاً من الدولة لا منفصلة عنها. فالدولة التي تُشرك مجتمعها في الفرص والاقتصاد وصناعة المستقبل، تبني خط دفاع يصعب اختراقه، بينما الدولة التي تبقي المسافة قائمة، تضعف نفسها تدريجياً دون أن تشعر.
وعليه، فإن المعادلة الجديدة للأمن لم تعد عسكرية فقط، بل اجتماعية واقتصادية أيضاً. كلما اقتربت الدولة من مجتمعها، زادت قدرتها على الصمود، وكلما اتسعت الفجوة بينهما، زادت قابلية التأثر بأي تهديد خارجي. فالأمن الحقيقي لا يُصنع عند الحدود فقط، بل يُبنى داخل المجتمع نفسه.
الخاتمة
السؤال الحاسم الذي يجب أن تطرحه دول الخليج اليوم ليس: كيف نواجه إيران عسكرياً فقط؟ بل: بأي عقلية سنواجهها؟ هل بعقلية متحجرة تُبقي الفجوة بين الدولة والمجتمع قائمة، فتُضعف الجبهة الداخلية؟ أم بعقلية منفتحة تُوحّد الصف، وتُشرك المجتمع في الاقتصاد والفرص وصناعة القرار، فتجعل الداخل خط الدفاع الأول؟
إن المواجهة القادمة—بأي شكل كانت—لن تُحسم فقط في ميدان القوة، بل في ميدان التماسك الداخلي. فالدولة التي تختار الانفتاح وتعزيز الترابط والالتصاق بين مكوناتها، تُصعّب على أي خصم اختراقها. أما الدولة التي تستمر في الفصل والجمود، فإنها تمنح خصومها أهم ما يحتاجونه: بيئة قابلة للتأثير.
الخلاصة المكثفة
المعركة الحقيقية ليست فقط مع الخارج، بل مع طريقة التفكير في الداخل. فإما عقلية تُقسّم وتُضعف، أو عقلية تُوحّد وتُحصّن.
المصادر والمراجع: الأمانة العامة لمجلس التعاون، السوق الخليجية المشتركة؛ معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، الإنفاق العسكري العالمي 2024
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث و الصياغه
Comments
Post a Comment