حين تربح شركات التجارة من اختناق هرمز من يحمي الغاز القطري من كلفة الوسطاء

حين تربح شركات التجارة من اختناق هرمز… من يحمي الغاز القطري من كلفة الوسطاء؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 6 أكتوبر 2026

التصريحات الأخيرة للسيناتور الأمريكي كريس مورفي من الدوحة تستحق أن تُقرأ اقتصاديًا، لا باعتبارها مجرد انتقاد سياسي لإدارة الرئيس دونالد ترامب. فمورفي جاء إلى قطر في زيارة رسمية للوقوف على آثار الحرب الإيرانية على أمن الخليج واقتصاده، وقال مكتبه إن الحرب ألحقت أضرارًا بعلاقات الولايات المتحدة مع شركائها في المنطقة وباقتصاداتهم.

لكن الأهم بالنسبة لنا في قطر هو السؤال الذي تثيره هذه الأزمة: من يربح عندما يصبح طريق الغاز القطري إلى العالم خطرًا؟

قطر تملك الغاز، وتملك منشآت التسييل، واستثمرت عشرات السنين في بناء واحدة من أكثر صناعات الغاز الطبيعي المسال تقدمًا في العالم. كما أن قطر للطاقة وشركاءها يستخدمون أسطولًا من 69 ناقلة للغاز الطبيعي المسال، بينها 31 ناقلة Q-Flex و14 ناقلة Q-Max العملاقة. وهذه الناقلات صُممت أصلًا لخفض تكاليف النقل من خلال اقتصاديات الحجم.

ومع ذلك كشفت الحرب عن حقيقة اقتصادية قاسية: امتلاك الغاز ومصانع التسييل والناقلات لا يكفي إذا كان الممر البحري نفسه معرضًا للإغلاق أو الهجوم.

لقد أصبح مضيق هرمز عنق الزجاجة. وفي سبتمبر تحسن مرور ناقلات الغاز مقارنة بالأشهر السابقة، لكن المستوى بقي بعيدًا عن الوضع الطبيعي. ووفق بيانات نقلتها رويترز، خرجت في سبتمبر 19 شحنة LNG بحسب S&P Global، منها 13 شحنة قطرية وست إماراتية، بينما أحصت Kpler نحو 21 شحنة. وحتى مع هذا التحسن، قد لا يمثل معدل أكتوبر، إذا استمر، سوى نحو ربع مستويات ما قبل الحرب.

وهنا تدخل شركات التجارة والشحن العالمية.

شركة Vitol، التي أصبحت محور الجدل الذي أثاره مورفي، ليست شركة صغيرة. إنها واحدة من عمالقة تجارة الطاقة في العالم. وتقول الشركة نفسها إنها تتاجر بنحو ثمانية ملايين برميل من النفط والمنتجات يوميًا، وتدير آلاف الرحلات البحرية سنويًا، إضافة إلى التخزين والتكرير والشحن.

في الظروف الطبيعية، يؤدي هؤلاء التجار وظيفة اقتصادية مهمة. فهم يوفرون السيولة، ويربطون المنتج بالمشتري، ويتحملون مخاطر الأسعار والنقل ويجدون السفن والأسواق المناسبة.

لكن عندما تقع الحرب تنقلب المعادلة.

السفينة التي كانت تعبر هرمز بصورة طبيعية تصبح أصلًا نادرًا. التأمين يرتفع. مخاطر الطاقم ترتفع. تكلفة الانتظار ترتفع. وتزداد علاوة المخاطر على كل برميل وكل مليون وحدة حرارية وكل رحلة بحرية.

وهنا تصبح الأزمة نفسها سلعة.

كلما قل عدد السفن المستعدة للعبور، ارتفعت القوة التفاوضية لمن يملك السفينة أو يستطيع ترتيبها. وكلما زادت حاجة المنتج إلى إخراج شحنته، ازدادت قدرة الطرف المقابل على المطالبة بسعر أعلى مقابل تحمل المخاطرة.

وقد ظهرت علاوة هرمز بالفعل في أسواق الطاقة. فبيانات Kpler في أغسطس أظهرت ارتفاع أسعار بعض شحنات خام الشرق الأوسط بسبب علاوات مخاطر التسليم المرتبطة بهرمز، حتى مع زيادة المعروض الفوري.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل من المعقول أن تتحمل قطر تكلفة إضافية ضخمة لنقل غاز تملكه أصلًا، فقط لأن طريقه إلى العالم أصبح تحت رحمة المخاطر والوسطاء؟

المشكلة ليست في Vitol وحدها، ولا ينبغي تحويل القضية إلى هجوم على شركة بعينها دون نشر العقود والأسعار الفعلية. فحتى الآن لا توجد أمامنا بيانات علنية كافية تثبت مقدار ما دفعته قطر للطاقة لشركة محددة فوق الأسعار الطبيعية. لذلك يجب الفصل بين اتهام سياسي يطرحه سيناتور أمريكي وبين حقيقة مالية مثبتة بوثائق.

لكن الظاهرة الاقتصادية نفسها حقيقية.

لقد كشفت أزمة هرمز أن تكلفة الطاقة لا يحددها من يملك الغاز فقط، بل من يملك القدرة على نقله عندما يخاف الآخرون من نقله.

وهذا درس استراتيجي لقطر.

قطر سبقت المنطقة في كثير من تقنيات الغاز. دخلت مبكرًا في LNG، وبنت ناقلات Q-Max وQ-Flex، وتقدمت في تحويل الغاز إلى سوائل GTL، وأصبحت لاعبًا عالميًا لا مجرد منتج إقليمي.

لكن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير في مفهوم أوسع من امتلاك الناقلة.

نحن بحاجة إلى سيادة لوجستية للطاقة.

أي أن تكون لدى قطر القدرة، قدر الإمكان، على إدارة سلسلة تصدير الغاز من رأس البئر حتى وصول الشحنة إلى المستهلك، مع تقليل النقاط التي يستطيع فيها طرف خارجي استغلال الأزمة لفرض علاوة استثنائية.

ولا يعني ذلك الاستغناء عن شركات التجارة العالمية؛ فهذا غير واقعي ولا اقتصادي. بل يعني ألا تصبح الحاجة إليها في وقت الحرب نقطة ضعف.

والمفارقة أن قطر تمتلك بالفعل قاعدة بحرية قوية جدًا. ولذلك فإن السؤال ليس: لماذا لا نملك السفن؟ فنحن نملك ونتعاقد على أسطول ضخم. السؤال الأدق هو: كيف نجعل هذا الأسطول قادرًا على العمل في الظروف الاستثنائية بأقل اعتماد ممكن على أطراف تملك قوة تفاوضية هائلة وقت الأزمة؟

ويشمل ذلك عقود التأمين، وإدارة مخاطر الحرب، والتمويل، والموانئ البديلة، والتخزين خارج الخليج، والشراكات طويلة الأجل مع المستهلكين، وإيجاد مخزون استراتيجي من الغاز القطري في الأسواق الرئيسية.

بل ربما حان الوقت لدراسة إنشاء مراكز تخزين قطرية أو مشتركة للغاز الطبيعي المسال خارج مضيق هرمز، في آسيا وأوروبا ومواقع استراتيجية أخرى. فوجود الغاز خارج المضيق قبل وقوع الأزمة يخلق هامشًا زمنيًا وتجاريًا لا توفره الناقلة وحدها.

كما تعيد الأزمة إلى الواجهة السؤال الذي طرحناه مرارًا: لماذا بقيت دول الخليج طوال عقود تعتمد بهذا الحجم على هرمز؟

إن الأنبوب الذي لا نحتاج إليه في زمن السلام قد يصبح أغلى أصول الدولة في زمن الحرب. والميناء البديل الذي يبدو مكلفًا عندما تكون الملاحة طبيعية يصبح رخيصًا جدًا عندما يتوقف طريق تصدير بمليارات الدولارات.

الأضرار ليست نظرية. فقد أكد وزير الدولة لشؤون الطاقة سعد بن شريدة الكعبي في مارس أن الهجوم على رأس لفان عطّل نحو 17% من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال، وأن بعض آثار الضرر قد تمتد سنوات.

وفي يونيو، عندما بدأت احتمالات استئناف الإنتاج تتحسن، كان توصيف مصدر مطلع لرويترز بالغ الدلالة: المشكلة أصبحت مشكلة سفن ولوجستيات أكثر منها مشكلة إنتاج.

وهذه العبارة يجب ألا تمر مرور الكرام.

فقد أنفقت قطر عشرات السنين لبناء القدرة على استخراج الغاز ومعالجته وتسييله. والمرحلة المقبلة يجب أن تعطي الوزن نفسه لمسألة كيف يخرج الغاز من الخليج في أسوأ يوم، لا في أفضل يوم.

أما الجدل الذي أثاره السيناتور مورفي حول Vitol وعلاقتها بترامب، فهو جانب سياسي أمريكي منفصل. وقد سبق لمورفي أن اتهم الشركة بالاستفادة من علاقات مرتبطة بمتبرع كبير لترامب في ملف النفط الفنزويلي؛ وقد ورد أن مسؤولًا كبيرًا في Vitol تبرع بمجموع ستة ملايين دولار للجهات الداعمة لحملة ترامب. لكن الربط السببي بين التبرع والحصول على الأعمال يبقى اتهامًا سياسيًا ما لم يثبت قانونيًا.

بالنسبة لقطر، القضية الأهم ليست ترامب ولا مورفي ولا Vitol.

القضية هي هرمز.

إذا كانت أزمة واحدة تستطيع أن تجعل الغاز موجودًا في رأس لفان، والمشتري ينتظره في آسيا أو أوروبا، ولكن السفينة والتأمين والممر البحري تصبح هي التي تحدد متى يخرج الغاز وبأي تكلفة، فإن لدينا فجوة استراتيجية يجب التعامل معها.

قطر نجحت في أن تصبح قوة عالمية في إنتاج الغاز وتسييله.

والمرحلة التالية يجب أن تكون: أن تصبح قوة عالمية في تأمين طريق الغاز أيضًا.

فمن يملك الغاز يملك ثروة، لكن من يملك الطريق الآمن إلى السوق يملك القرار.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟