عــرّاب الاستقلالية العُمانية
عــرّاب الاستقلالية العُمانية
يوسف بن علوي والفرصة الخليجية التي لم تكتمل
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة – 2 يونيو 2026
عندما يتحدث الخليجيون اليوم عن المشاريع التي تأخرت، وعن الأحلام التي لم تتحول إلى واقع، وعن مجلس التعاون الذي بقي في كثير من الملفات أقل من طموحات شعوبه، فإن اسم يوسف بن علوي يبرز بقوة في هذا النقاش. ليس لأنه كان مجرد وزير خارجية عُماني، بل لأنه أصبح في نظر كثير من أنصار الوحدة الخليجية الرمز الأبرز للنهج الذي وقف في وجه الانتقال من التعاون إلى الاندماج.
على مدى عقود طويلة، كانت شعوب الخليج تسمع عن السوق الخليجية المشتركة، والعملة الموحدة، والتكامل الدفاعي، والاتحاد الخليجي، والقرار السياسي الموحد. لكن معظم هذه المشاريع إما تأخر أو تعثر أو بقي حبيس الاجتماعات والبيانات. وخلال هذه المرحلة كان يوسف بن علوي أحد أكثر الأصوات وضوحًا في الدفاع عن إبقاء عُمان خارج مسارات الاندماج العميق.
لم يكن اعتراضه على الاتحاد الخليجي عام 2013 مجرد تحفظ عابر. لقد كان موقفًا سياسيًا صريحًا في لحظة كانت المنطقة تمر فيها بواحدة من أخطر مراحلها. ففي الوقت الذي كانت فيه دول الخليج تبحث عن أدوات جديدة لحماية أمنها الجماعي ومواجهة التحديات الإقليمية، جاء الرفض العُماني ليضع سقفًا واضحًا أمام مشروع كان كثير من الخليجيين يرون فيه خطوة تاريخية نحو مستقبل أكثر قوة وتماسكًا.
وقبل ذلك، انسحبت عُمان من مشروع العملة الخليجية الموحدة، أحد أكبر المشاريع الاقتصادية التي كان من الممكن أن تعزز الوزن الاقتصادي الخليجي عالميًا. وبالنسبة للمؤمنين بفكرة التكامل، لم يكن هذا مجرد قرار اقتصادي، بل رسالة سياسية تؤكد أن مسقط لا ترغب في الذهاب بعيدًا في مشروع الوحدة الخليجية.
وفي الملفات الأمنية والعسكرية، ظل النهج نفسه حاضرًا. فبينما كانت المنطقة تشهد تحولات متسارعة وتهديدات متنامية، بقيت الأولوية لدى المدرسة التي مثلها يوسف بن علوي هي الحفاظ على المسافة والاستقلالية، لا بناء مؤسسات خليجية أكثر اندماجًا وصلابة.
أما الملف الإيراني، فهو الملف الذي ولّد أكبر قدر من الجدل. فبينما كانت دول خليجية عديدة ترى أن التحدي الإيراني يتطلب موقفًا موحدًا وأكثر حزمًا، فضلت مسقط إبقاء قنواتها مفتوحة مع طهران. وقد يرى البعض في ذلك حكمة دبلوماسية، لكن كثيرًا من الخليجيين رأوا فيه نهجًا ساهم في إضعاف القدرة على بناء موقف خليجي موحد في واحدة من أهم قضايا الأمن الإقليمي.
ولهذا أصبح يوسف بن علوي، بالنسبة لمنتقديه، أكثر من مجرد مسؤول سابق. لقد تحول إلى رمز سياسي لمرحلة كاملة اتسمت بتغليب الاستقلالية على الاندماج، والتحفظ على المشاريع المشتركة بدل الدفع بها إلى الأمام.
ومن وجهة نظر أنصار الوحدة الخليجية، فإن السؤال اليوم لم يعد متعلقًا بعُمان وحدها، بل بما خسره الخليج كله نتيجة سنوات طويلة من التردد والتباين. فالعالم يتجه نحو التكتلات الكبرى، والقوة الاقتصادية والأمنية أصبحت تُبنى على التكامل لا على التباعد. وفي وقت كانت فيه المنطقة تحتاج إلى بناء مؤسسات خليجية أكثر قوة، ظل الخلاف قائمًا حول فكرة الاندماج نفسها.
ربما يرى أنصار يوسف بن علوي أن ما فعله كان دفاعًا مشروعًا عن المصالح الوطنية العُمانية. لكن قطاعًا واسعًا من الخليجيين ما زال يرى أن تلك المرحلة ساهمت في إضاعة فرص تاريخية كان من الممكن أن تنقل مجلس التعاون إلى مستوى مختلف تمامًا من القوة والتأثير.
ويبقى الحكم النهائي للتاريخ. لكن المؤكد أن اسم يوسف بن علوي سيبقى حاضرًا كلما ذُكرت مشاريع الوحدة الخليجية التي لم تكتمل، وكلما عاد السؤال القديم للظهور: ماذا كان يمكن أن يصبح عليه الخليج لو انتصرت إرادة الاندماج على إرادة التحفظ؟
المصادر والمراجع: مكتبة قطر الرقمية، وثائق تاريخ الخليج؛ الموسوعة البريطانية، الأبحاث التاريخية.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment