أمريكا تتلاعب بأمن السعودية واستقرارها

أمريكا تتلاعب بأمن السعودية واستقرارها

تحليل سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 12 سبتمبر 2026

تتعامل الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب مع حماية حلفائها بمنطق تجاري؛ فالحماية ليست التزامًا مفتوحًا، بل خدمة استراتيجية لها مقابل سياسي واقتصادي ومالي. وكلما ازدادت الأخطار المحيطة بالدولة الحليفة، ازدادت حاجتها إلى السلاح والمعلومات والدعم الأمريكي، واتسعت قدرة واشنطن على التأثير في قراراتها.

تظهر هذه المعادلة اليوم بوضوح في علاقة الولايات المتحدة بالسعودية. فالمملكة تواجه ضغطًا إيرانيًا في الخليج ومضيق هرمز، وتهديدًا حوثيًا في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب استهداف منشآتها النفطية وطرق تصديرها. ومع ذلك لا تقدم واشنطن حماية عسكرية شاملة، بل تمنح المساعدة الاستخباراتية والتقنية، وتترك للسعودية تحمّل العبء العسكري المباشر.

ترامب لا يريد انهيار السعودية أو توقف صادراتها النفطية؛ لأن ذلك سيضر بالاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يريد للمملكة أن تصل إلى درجة من الاستقلال العسكري تجعلها قادرة على حماية أراضيها وممراتها البحرية واتخاذ قراراتها الإقليمية من دون الرجوع إلى واشنطن.

ومن هنا تتحول الحماية إلى ورقة تفاوضية. فالولايات المتحدة لا تتخلى عن السعودية، لكنها لا تمنحها أيضًا ضمانًا مطلقًا بالتدخل عند كل خطر. إنها تترك مساحة من القلق، ثم تقدم الأسلحة والمعلومات والمساندة باعتبارها الحل المتاح.

وقد ظهر ذلك عندما طلبت السعودية مساعدة عسكرية أمريكية مباشرة ضد الحوثيين، بينما اكتفت واشنطن بعرض تبادل المعلومات الاستخبارية والمساعدة في تحديد الأهداف. فالرسالة الأمريكية هي أن على المملكة تحمّل المواجهة العسكرية، في حين تحتفظ الولايات المتحدة بمفاتيح المعلومات والتقنيات المتقدمة.

ولا يتوقف النفوذ الأمريكي عند بيع الطائرات والصواريخ؛ فالسلاح يحتاج إلى قطع غيار وصيانة وتحديث وبرامج تشغيل وتدريب وذخائر مرتبطة بالدولة المصنعة. وقد تمتلك السعودية منظومات متقدمة، لكنها تظل بحاجة إلى واشنطن في تشغيلها وتحديثها وربطها بأنظمة الرادار والإنذار المبكر.

وكلما ازدادت هذه الحاجة، امتلكت الولايات المتحدة أوراقًا إضافية للتفاوض حول صفقات السلاح والاستثمارات وأسعار النفط وحجم الإنتاج، إضافة إلى علاقات السعودية مع الصين وروسيا ومواقفها من إيران والترتيبات الإقليمية.

ولا يعني ذلك أن واشنطن صنعت جميع الأخطار المحيطة بالسعودية أو أنها تريد انتصار إيران والحوثيين عليها. لكنها قد تستفيد من استمرار الخطر عند مستوى لا يؤدي إلى سقوط الحليف، ولا يسمح له في الوقت نفسه بالاستغناء عن الحماية الأمريكية.

إن الخطر الحقيقي هو الاعتقاد بأن شراء المزيد من السلاح يحقق استقلالًا أكبر. فالسلاح المستورد، إذا ظلت صيانته وذخائره ومعلومات تشغيله مرتبطة بالخارج، قد يزيد التبعية بدل أن يقللها.

لذلك تحتاج السعودية إلى توطين الصناعات الدفاعية، وامتلاك الذخائر وقطع الغيار، وتطوير قدراتها المستقلة في الرصد والاستطلاع وحماية السواحل والممرات البحرية. فالدولة التي لا تمتلك أدوات أمنها الأساسية تظل مطالبة في كل أزمة بإعادة التفاوض على ثمن حمايتها.

والخلاصة أن ترامب قد لا يريد إغلاق الطرق البحرية أمام السعودية، لكنه يريد أن تبقى مفاتيح حمايتها مرتبطة بواشنطن. وبين الحماية والتحكم مسافة قصيرة؛ فإذا لم تمتلك الدولة قرار دفاعها، تحولت الحماية الأجنبية من ضمان للاستقرار إلى وسيلة للتأثير في قرارها السياسي والاقتصادي.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟