من مصالح توم براك إلى أنابيب الغاز القطري نحو أوروبا: من يرسم خريطة الطاقة الجديدة؟

من مصالح توم براك إلى أنابيب الغاز القطري نحو أوروبا: من يرسم خريطة الطاقة الجديدة؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 25 أكتوبر 2026

في 16 أبريل 2026، كشفت مجلة «المجلة» عن مضمون وثيقة أمريكية قالت إن المبعوث الأمريكي توم براك أعدها لإعادة تشكيل ممرات الطاقة في الشرق الأوسط، وكان من أبرز المشاريع الواردة فيها إحياء مشروع أنبوب الغاز القطري الممتد من حقل الشمال عبر السعودية والأردن وسوريا وتركيا إلى الأسواق الأوروبية.

ووفقاً لما نشرته المجلة، تناولت الوثيقة مشروعاً قُدرت تكلفته سابقاً بنحو عشرة مليارات دولار، مع إمكانية ربطه بممر تاناب التركي، وأشارت إلى بحث حسم مصيره ضمن برنامج لتطوير قطاع الطاقة السوري يمتد حتى عام 2030. وهذه تقديرات لمشروع مقترح لم يُبنَ، وليست ميزانية تنفيذية معتمدة.

ونقلت المجلة عن براك تأكيده أن إغلاق هرمز واختناقات البحر الأحمر غيّرا المعادلة الاستراتيجية، وأن الممر البري عبر سوريا أصبح أصلاً أمنياً تتجاوز أهميته الحسابات التجارية المعتادة.

هذه ليست تصريحات عابرة، بل تصور أمريكي منشور يعيد طرح الجغرافيا السورية باعتبارها جسراً بين ثروات الخليج والمستهلك الأوروبي. ومع ذلك، تبقى الوثيقة كما عرضتها المجلة، ولم يصدر إعلان رسمي عن اعتماد خط الغاز القطري أو تمويله.

وفي 9 أكتوبر 2026، كشفت وكالة رويترز جانباً آخر يستحق الاهتمام. فقد أفادت بأن براك سعى لإشراك شركة تي آي كابيتال، التي يديرها شريكه التجاري زياد غندور، في مشروع أنابيب النفط العراقي الممتد إلى ميناء بانياس السوري، ضمن تحالف يضم شيفرون الأمريكية ويو سي سي القابضة القطرية.

وكشفت رويترز أن براك احتفظ بحق مالي قد يمنحه 20% من أرباح مشروع عقاري منفصل تديره الشركة المرتبطة بشريكه. لكنها لم تجد دليلاً على استفادته المالية المباشرة من مشروع الأنابيب النفطي، ونفت الخارجية الأمريكية امتلاكه أي حصة فيه، مؤكدة التزامه بقواعد الأخلاقيات.

ومع ذلك، أثار التحقيق تساؤلات بشأن تداخل العلاقات التجارية مع الدور الدبلوماسي في تشكيل مشاريع الطاقة الإقليمية.

ثم جاءت تصريحات براك في 23 أكتوبر داعية تركيا واليونان إلى تجاوز خلافاتهما، والتعاون على إنشاء ممرين للطاقة يخدمان مصالح البلدين.

وبذلك تتكامل ثلاثة تطورات: وثيقة أبريل التي تناولت صراحة أنبوب الغاز القطري إلى أوروبا، وتحقيق رويترز في أكتوبر عن العلاقات التجارية المحيطة بمشروع نفطي إقليمي، ثم دعوة براك الجديدة للتعاون بين تركيا واليونان.

والسؤال الاقتصادي الآن يتعلق بموقع قطر في هذه التحولات، خصوصاً أن الولايات المتحدة نفسها من أكبر منافسيها في أسواق الغاز الأوروبية.

لقد أثبتت أزمة مضيق هرمز أن قوة المنتج لا تكفي إذا كان عاجزاً عن الوصول إلى الأسواق. فالغاز الموجود تحت الأرض لا يتحول إلى إيرادات إلا عندما تتوافر وسائل نقله بصورة آمنة ومستمرة.

وقطر تمتلك خبرة عالمية في تسييل الغاز ونقله بحراً، لكنها بحاجة إلى دراسة بناء مسار بري مستقل يخدم الأسواق الإقليمية والأوروبية، دون أن تكون صادراتها كلها معرضة للمخاطر البحرية نفسها.

والجغرافيا توفر مساراً قابلاً للدراسة يبدأ من رأس لفان، ثم السعودية والأردن وسوريا وتركيا، ومنها إلى الشبكات الأوروبية.

وقد سبق طرح هذا المشروع عام 2009، لكنه لم ينتقل إلى التنفيذ بسبب العقبات السياسية والإقليمية. ومع تغير الظروف في سوريا، عاد إلى دائرة الاهتمام.

أما البنية الأساسية شمال سوريا، فقد شهدت تطورات عملية. ففي أغسطس 2025، بدأ نقل الغاز الأذربيجاني من تركيا إلى سوريا عبر خط كيليس وحلب، بدعم قطري، بطاقة تصميمية تصل إلى ستة ملايين متر مكعب يومياً.

كما شهد عام 2026 خطوات إضافية لتطوير شبكة الغاز السورية وربطها بالحدود الأردنية والتركية. لكن هذه الشبكات لا تستطيع حالياً استيعاب صادرات قطرية ضخمة دون توسعات واستثمارات جديدة.

وتمتلك تركيا خط تاناب الذي يبلغ طوله 1811 كيلومتراً، بطاقة أساسية تبلغ 16 مليار متر مكعب سنوياً، قابلة للزيادة إلى 31 ملياراً. ويتصل بخط تاب الممتد عبر اليونان وألبانيا إلى إيطاليا.

وهكذا توجد بنية يمكن دراسة الاستفادة منها، لكن تصدير الغاز القطري يتطلب إنشاء وصلات جديدة وتأمين سعات نقل واتفاقيات تجارية ملزمة.

أما السوق الأوروبية، فقد استهلكت 339 مليار متر مكعب من الغاز عام 2025، واستوردت نحو 289 ملياراً، وفق المفوضية الأوروبية.

وإذا أنشأت قطر خطاً بطاقة 20 مليار متر مكعب سنوياً، فإن هذه الكمية تعادل نحو 6% من استهلاك الاتحاد الأوروبي في ذلك العام. وهي سوق كبيرة بما يكفي لتبرير دراسة المشروع بجدية، دون أن تعني ضمان بيع الغاز أو جدوى الاستثمار مسبقاً.

لكن القيمة الحقيقية للمشروع لا تقتصر على أوروبا.

فيمكن للأنبوب أن يبيع الغاز للسعودية والأردن وسوريا وتركيا، وأن يشجع قيام مصانع الأسمدة والبتروكيماويات ومحطات الكهرباء والمشاريع الصناعية على امتداد مساره.

وبذلك يتحول الأنبوب من وسيلة نقل إلى شريان اقتصادي يربط مصالح الدول المنتجة والعابرة والمستهلكة، ويوزع الإيرادات وفرص العمل والاستثمارات بينها.

غير أن نجاحه يتطلب اتفاقيات دولية تضمن حقوق العبور، وتحمي المستثمرين من تغيير الرسوم والشروط، وتنظم الملكية والتمويل والحماية الأمنية.

وهناك قضية تستحق المناقشة: هل يجب أن تتصدر الشركات الأمريكية تمويل وتنفيذ هذه المشاريع، بينما تمتلك قطر والسعودية الموارد المالية والصناعية اللازمة للمشاركة المباشرة فيها؟

لقد أثبتت السعودية قدرتها على تصنيع أنابيب النفط والغاز الضخمة، وتمتلك قطر خبرة طويلة في تمويل مشاريع الغاز وتسويقه عالمياً. ويمكن الجمع بين هذه القدرات ضمن تحالف استثماري خليجي، بدلاً من الاكتفاء بدور المورد الذي يبيع الغاز للشبكات التي يملكها الآخرون.

كذلك ينبغي دراسة تكلفة نقل الغاز بالأنابيب مقارنة بتسييله وشحنه وإعادة تحويله إلى الحالة الغازية في أوروبا، مع احتساب رسوم العبور ومحطات الضغط والتمويل والأخطار السياسية.

والأنابيب ليست بالضرورة أرخص في جميع الظروف، لكنها قد توفر ميزة استراتيجية لا تعكسها الحسابات التجارية التقليدية، وهي استمرار التصدير عندما تتعطل الملاحة البحرية.

وهنا تتضح أهمية ما نسبته «المجلة» إلى براك: أن ضمان أمن الإمدادات عبر البر قد يبرر استثمارات يصعب تبريرها بالمعايير التجارية وحدها.

لكن لا ينبغي أن يتحول هذا المنطق إلى تفويض مفتوح للشركات الأجنبية لتحديد مستقبل ثروات الخليج.

فالولايات المتحدة تسعى إلى تعزيز صادراتها من الغاز المسال إلى أوروبا، بينما يمكن للغاز القطري المنقول بالأنابيب أن ينافس تلك الصادرات في الأسواق نفسها.

وقد تناول تقرير نشره موقع Europe Focus في 18 أكتوبر 2026 وجود تنافس بين مشروع الممر العمودي الذي يدعم نقل الغاز الأمريكي المسال عبر اليونان، ومقترحات إحياء الأنبوب القطري عبر تركيا. وهو تنافس محتمل في المصالح التجارية، وليس دليلاً على اتخاذ واشنطن قراراً رسمياً بدعم أحد المسارين.

إن تصريحات توم براك ووثيقته المنشورة تعطيان قطر سبباً إضافياً للتحرك، لا سبباً لانتظار القرار الأمريكي.

فالمطلوب تشكيل تحالف يضم قطر والسعودية والأردن وسوريا وتركيا، مع المشترين الأوروبيين ومؤسسات التمويل الدولية، لإعداد دراسات فنية واقتصادية مستقلة، ثم اتخاذ قرار استثماري يحمي مصالح جميع الأطراف.

لقد صنعت قطر مكانتها العالمية عبر صناعة الغاز المسال، لكن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع خياراتها الجغرافية والتجارية.

إن خط الأنابيب من قطر إلى أوروبا ليس مجرد مشروع لتصدير الغاز، بل فرصة لإنشاء تكامل اقتصادي إقليمي، وحماية تدفق الإيرادات، وتحويل الثروة الغازية إلى مصالح مشتركة بين شعوب المنطقة.

ولا ينبغي أن يكون مستقبل الغاز القطري مرهوناً بمضيق هرمز وحده، أو بمصالح الشركات الأمريكية وشركائها.

فمن يمتلك الغاز ينبغي أن يمتلك أيضاً القدرة على اختيار الطريق الذي يصل به إلى الأسواق، والشراكات التي تحقق له أكبر قدر من الاستقلال والأمن الاقتصادي.

مصادر المقال: مجلة «المجلة»، 16 أبريل 2026 ؛ رويترز، 9 أكتوبر 2026 ؛ تقرير Europe Focus، 18 أكتوبر 2026 ؛ تصريحات براك بشأن الممرين، 23 أكتوبر 2026 ؛ بيانات المفوضية الأوروبية للغاز .

المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026).

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟