الخليج والعراق تحت التسعير الإيراني
الخليج والعراق تحت التسعير الإيراني
عندما تصبح إيران هي من يحدد سعر نفط وغاز منافسيه
تحليل اقتصادي/سياسي – إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 10 يوليو 2026
قد يعتقد كثيرون أن الضربات العسكرية الأخيرة على إيران ارتبطت فقط ببرنامجها النووي أو بقدراتها العسكرية، لكن هناك بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا لا يقل خطورة. فمن بين السيناريوهات التي يناقشها خبراء أمن الطاقة أن تتحول السيطرة على مضيق هرمز من وسيلة لتهديد الملاحة إلى وسيلة للتأثير في القدرة التنافسية لصادرات الطاقة الخليجية والعراقية. وإذا تحقق مثل هذا السيناريو، فإن الصراع لن يكون على إغلاق المضيق، بل على من يملك حق تسعير نفط وغاز المنطقة.
إذا تمكنت إيران من فرض رسوم أو تكاليف إضافية على مرور النفط والغاز عبر مضيق هرمز، فإن الخطر لن يقتصر على تحصيل إيرادات من السفن، بل سيمتد إلى منحها القدرة على التحكم في تكلفة صادرات منافسيها من دول الخليج والعراق.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية. فإيران لن تحتاج إلى إنتاج نفط أكثر من السعودية، أو غاز أكثر من قطر، لكي تصبح أكثر قدرة على المنافسة. يكفي أن تجعل نفط وغاز الآخرين أكثر تكلفة.
المنافسة في أسواق الطاقة لا تقوم على تكلفة الإنتاج وحدها، بل على التكلفة النهائية التي يدفعها المشتري. فإذا أضيفت رسوم عبور، وارتفعت أقساط التأمين، وزادت أجور الشحن، وارتفعت مخاطر التأخير، فإن النفط الخليجي والعراقي سيصل إلى الأسواق العالمية بتكلفة أعلى، بينما تستطيع إيران أن تعفي صادراتها أو تمنحها معاملة أفضل، فتظهر للمشتري على أنها أكثر تنافسية.
وهكذا تتحول إيران من منافس في سوق الطاقة إلى جهة تتحكم في تكلفة منافسيها.
تقارير إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) تؤكد أن مضيق هرمز هو أهم نقطة اختناق للطاقة في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال. وهذا يعني أن أي زيادة في تكلفة المرور لا تؤثر في ناقلة واحدة، بل تمتد إلى أسعار الطاقة في الأسواق العالمية.
كما أظهرت تقارير رويترز أن مجرد تصاعد المخاطر في المضيق أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن، حتى قبل فرض أي رسوم مباشرة. أي أن السوق بدأ يدفع بالفعل ثمن المخاطر الجيوسياسية، وهو ما يمنح أي طرف قادر على التحكم بهذه المخاطر نفوذًا اقتصاديًا كبيرًا.
ويرى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن أخطر ما في مضيق هرمز ليس الإغلاق الكامل، بل القدرة على رفع تكلفة استخدامه. فرفع تكلفة العبور يحقق أثرًا اقتصاديًا قد يفوق أثر إيقاف الملاحة لفترة قصيرة، لأنه يغير حسابات المشترين والمستثمرين وشركات النقل.
في هذا السيناريو تدفع دول الخليج والعراق الثمن مرتين. الأولى عبر ارتفاع تكاليف التصدير، والثانية عبر اضطرارها إلى تقديم خصومات للمشترين حتى تحافظ على حصتها في الأسواق العالمية.
أما إيران، فقد تربح مرتين أيضًا. فهي تحصل على نفوذ أو إيرادات من التحكم بالممر، وفي الوقت نفسه تبيع نفطها وغازها في سوق أصبحت فيه صادرات منافسيها أكثر تكلفة.
وهذا يعني أن طهران قد تتحول عمليًا إلى جهة تشارك في تحديد أسعار النفط والغاز الخليجي والعراقي، ليس من خلال زيادة إنتاجها أو عبر قرارات أوبك، بل من خلال التحكم في تكلفة وصول طاقة منافسيها إلى الأسواق العالمية.
ويزداد هذا الخطر بالنسبة للغاز القطري، لأن معظم صادراته البحرية تمر عبر هرمز. وأي زيادة في تكلفة مرور ناقلات الغاز تقلل من قدرته التنافسية في مواجهة الموردين الآخرين، حتى لو بقيت تكلفة إنتاجه من الأقل عالميًا.
كما أن العراق، الذي يعتمد بصورة كبيرة على صادراته النفطية عبر الخليج، سيكون من أكثر المتأثرين، لأن أي زيادة في تكاليف التصدير تعني انخفاض العائدات أو تقديم خصومات إضافية للمشترين.
لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الخليج والعراق لم يعد يقتصر على زيادة الإنتاج، بل على حماية القدرة التنافسية لصادراتهما. فخطوط الأنابيب البديلة، والموانئ خارج مضيق هرمز، لم تعد مشاريع بنية تحتية فقط، بل أصبحت أدوات لحماية السيادة الاقتصادية.
إن المعركة المقبلة قد لا تكون على من يملك أكبر احتياطي من النفط والغاز، بل على من يملك القدرة على تحديد تكلفة وصولهما إلى الأسواق العالمية.
فالدولة التي تستطيع رفع تكلفة صادرات منافسيها، دون أن ترفع تكلفة صادراتها، لا تكتفي بالمنافسة في السوق، بل تعيد تشكيل قواعد المنافسة نفسها.
وهذا هو الخطر الاستراتيجي الذي يستحق أن يحظى باهتمام صناع القرار في الخليج والعراق، لأن امتلاك الثروة لا يكفي إذا كان طرف آخر يستطيع أن يحدد تكلفة خروجها إلى العالم.
المصادر والمراجع: وكالة الطاقة الدولية، تقرير الغاز 2025؛ إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026).
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment