من سايغون إلى طهران: هل يولد العملاق الاقتصادي الخليجي بعد تراجع الهيمنة الأمريكية؟
مدة القراءة: ٦ دقائق
من سايغون إلى طهران: هل يولد العملاق الاقتصادي الخليجي بعد تراجع الهيمنة الأمريكية؟
هل يشهد الخليج نهضة اقتصادية شبيهة بتلك التي شهدتها شرق آسيا بعد حرب فيتنام؟
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – الدوحة
27 أكتوبر 2026
عندما انسحبت القوات القتالية الأمريكية من فيتنام عام 1973، ثم انتهت الحرب بسقوط سايغون عام 1975، كانت أجزاء واسعة من شرق آسيا تعيش آثار الحروب والانقسامات والفقر. لكن العقود التالية شهدت واحدة من أعظم التحولات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث تحولت المنطقة إلى مركز عالمي للصناعة والتكنولوجيا والتجارة.
واليوم، بعد اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، ومشروع بدر للتصنيع الدفاعي الذي وقعت مذكرته قطر وتركيا وباكستان وإندونيسيا في أكتوبر، ثم اجتماع طهران في 26 أكتوبر، بالتزامن مع المبادرة العمانية لإنشاء منظومة أمنية إقليمية شاملة، يبرز سؤال اقتصادي بالغ الأهمية: هل تقف منطقة الخليج وغرب آسيا أمام فرصة تاريخية لإطلاق نهضة اقتصادية شبيهة بتجربة شرق آسيا؟
إن أهمية هذه التطورات لا تقتصر على إعادة تشكيل التحالفات الأمنية، بل تمتد إلى إمكانية تغيير البيئة الاقتصادية التي ظلت المنطقة تعمل داخلها لعقود، حيث استنزفت الحروب والتهديدات العسكرية موارد هائلة، ورفعت تكاليف التجارة والاستثمار، وأعاقت مشاريع التنمية والتكامل الإقليمي.
ولفهم حجم الفرصة، ينبغي العودة إلى التجربة الآسيوية. فقد تأسست رابطة آسيان عام 1967، بينما كانت حرب فيتنام مشتعلة، ثم وقعت دولها معاهدة الصداقة والتعاون عام 1976. وتطورت العلاقات الاقتصادية تدريجياً إلى شبكات صناعية وتجارية متكاملة، سمحت بتوزيع مراحل الإنتاج بين الدول والاستفادة من الأسواق والتكنولوجيا ورؤوس الأموال.
ولم تكن النهضة نتيجة الانسحاب الأمريكي وحده؛ فقد بدأت اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة التصنيع قبل انتهاء الحرب، واستمر الوجود العسكري الأمريكي في اليابان وكوريا الجنوبية. لكن الاستقرار والإصلاح الاقتصادي والانفتاح التجاري ساعدت على تسريع التحول.
ووفق دراسة البنك الدولي عن معجزة شرق آسيا، ارتفعت حصة ثمانية اقتصادات آسيوية رائدة من صادرات المصنوعات العالمية من 9% عام 1965 إلى 21% عام 1990. أما فيتنام، التي أنهكتها الحرب، فقد ارتفع نصيب الفرد من ناتجها المحلي من أقل من 500 دولار عام 1986 إلى نحو 5066 دولاراً عام 2025.
والدرس الاقتصادي هنا واضح: إن الدول التي تحول الاستقرار إلى مصانع وتكنولوجيا وأسواق تستطيع مضاعفة ثرواتها، حتى لو بدأت من ظروف اقتصادية صعبة.
وهنا تبدأ المقارنة مع الخليج.
فدول مجلس التعاون تمتلك اليوم احتياطيات هائلة من النفط والغاز، وصناديق سيادية ضخمة، وموانئ ومطارات متطورة، وموقعاً جغرافياً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا. وهي تبدأ من قاعدة مالية وبنيوية أقوى مما امتلكته معظم الاقتصادات الآسيوية الناشئة في بداياتها.
لكن المفارقة أن هذه الثروات ما زالت معرضة لمخاطر أمنية تستطيع تعطيل صادرات الطاقة والتجارة خلال أيام. وقد توقع البنك الدولي في أكتوبر 2026 انكماش اقتصادات مجلس التعاون بنسبة 4.3% خلال العام نتيجة الحرب وتعطل مضيق هرمز وانخفاض صادرات الطاقة.
وهذا يعني أن إقامة منظومة أمنية إقليمية مستقرة ليست مسألة دفاعية فحسب، بل يمكن أن تصبح أحد أكبر المشاريع الاقتصادية في تاريخ المنطقة. فكل انخفاض في مخاطر الحرب والتأمين والشحن والتمويل قد يرفع جدوى الاستثمار الصناعي ويشجع رؤوس الأموال على الدخول في مشاريع طويلة الأجل.
ومن هنا تكتسب أحداث مكة والدوحة وطهران أهميتها. فاتفاق مكة يضع إطاراً للردع المشترك، ومشروع بدر يفتح المجال للتصنيع ونقل التكنولوجيا، بينما يمثل اجتماع طهران محاولة لتخفيف المواجهة مع إيران. أما المبادرة العمانية فتطرح تصوراً أوسع لأمن إقليمي يشمل دول الخليج وإيران والعراق.
ورغم أن هذه المسارات لم تتحول بعد إلى منظومة موحدة، فإن نجاحها في تحقيق الاستقرار قد يفتح الباب أمام شبكة اقتصادية وصناعية تتجاوز حدود مجلس التعاون.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال مع مراجعة الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الخليج. فقد ذكرت واشنطن بوست في أغسطس 2026 أن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس تقليص وجودها أو إعادة تموضع بعض قواتها بعد الحرب مع إيران، دون صدور قرار نهائي بالانسحاب.
وإذا حدث تراجع كبير في الوجود العسكري الأمريكي، فإن النتائج الاقتصادية ستعتمد على قدرة دول المنطقة على إدارة أمنها ومنع نشوء فراغ تستغله الصراعات. فالانسحاب وحده لا يصنع الازدهار، لكنه قد يتزامن مع تحول نحو استقلال أكبر في القرار الاقتصادي والاستراتيجي.
وفي ظل الاستقرار، يمكن للسعودية التوسع في الصناعات الثقيلة والأنابيب والمعدات الهندسية، بينما تضيف قطر قدراتها في الغاز والبتروكيماويات والاستثمار، وتوفر تركيا قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وتقدم باكستان سوقاً كبيرة وموارد بشرية واسعة، وتمنح عمان المنطقة منافذ استراتيجية على بحر العرب.
ويمكن أن تشارك إيران بمواردها الصناعية والطبيعية إذا عولجت العقوبات والعوائق المالية، بينما تفتح إعادة إعمار العراق واليمن مجالات للاستثمار في الكهرباء والموانئ والطرق والزراعة والصناعات التحويلية.
وقد يصبح ربط شبكات النفط والغاز والكهرباء والسكك الحديدية والموانئ أحد أهم محركات النهضة الجديدة. فبدلاً من اقتصادات متجاورة تعتمد على تصدير المواد الخام، يمكن إنشاء سلاسل إنتاج مترابطة، تتخصص فيها كل دولة بحسب قدراتها، كما حدث في شرق آسيا.
لكن هذه النهضة تتطلب أكثر من التفاهمات العسكرية. فهي تحتاج إلى إزالة العوائق التجارية، وحماية المستثمرين، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وتسهيل انتقال التكنولوجيا ورؤوس الأموال، وبناء أسواق إقليمية أكثر تكاملاً.
كما أن تقليص الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة لا يستلزم قطع العلاقات الاقتصادية معها. فقد استفادت النهضة الآسيوية من الأسواق الأمريكية والاستثمارات والتكنولوجيا الغربية، رغم اختلاف المسارات السياسية لدولها.
ولهذا فإن الاستقلال الاقتصادي الحقيقي لا يعني الانعزال، وإنما امتلاك القدرة على اختيار الشركاء وتطوير الصناعة وتنويع الأسواق من موقع قوة.
إن المقارنة بين سايغون وطهران ليست مقارنة بين انسحاب عسكري واجتماع دبلوماسي، بل بين فرصتين تاريخيتين لإعادة توجيه الموارد من إدارة الصراعات إلى التنمية والإنتاج.
لقد استطاعت شرق آسيا خلال نصف قرن تحويل أجزاء واسعة من مناطق الحروب والفقر إلى مراكز عالمية للصناعة والتجارة. أما الخليج فيمتلك اليوم الثروة والطاقة والبنية التحتية، لكنه يحتاج إلى سلام مستدام وإرادة اقتصادية مشتركة.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه العواصم الخليجية بعد اجتماع طهران ليس فقط: هل تتراجع المظلة العسكرية الأمريكية؟
بل السؤال الأكبر: هل تستطيع دول الخليج تحويل الاستقلال الأمني المحتمل إلى نهضة صناعية واقتصادية تجعل غرب آسيا مركزاً عالمياً للإنتاج والتكنولوجيا والتجارة، كما حدث لشرق آسيا؟
فالتاريخ الاقتصادي لا تصنعه الجيوش التي تغادر وحدها، وإنما تصنعه الأمم التي تعرف كيف تحول نهاية الحروب إلى بداية الازدهار.
المصادر والمراجع: البيانات الرسمية السعودية بشأن اتفاق مكة، ووكالة الأنباء القطرية بشأن مشروع بدر، وبيان اجتماع طهران، ووزارة الخارجية العمانية (2026)، والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بشأن معجزة شرق آسيا والاقتصاد الخليجي، وواشنطن بوست بشأن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment