هل تقترب نهاية الهيمنة الإسرائيلية
هل تقترب نهاية الهيمنة الإسرائيلية؟
كيف تنظر الأدبيات الغربية والإسرائيلية إلى مستقبل إسرائيل في شرق أوسط يتغير؟
يرى كثيرون أن الأدبيات الغربية تنحصر في الدفاع عن إسرائيل أو البحث في وسائل تعزيز أمنها، لكن مراجعة ما يصدر عن الجامعات ومراكز الدراسات الغربية والإسرائيلية تكشف صورة أكثر تعقيدًا. فهناك نقاش متزايد لا يدور حول كيفية تحقيق انتصار عسكري جديد، بل حول سؤال أعمق: هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على نموذجها الحالي ومكانتها الإقليمية إذا تغيرت موازين القوى في الشرق الأوسط؟
من أبرز الأصوات في هذا النقاش الباحث الأمريكي إيان لوستيك، الذي يرى أن نموذج حل الدولتين فقد كثيرًا من قابليته للتطبيق، وأن استمرار الواقع الحالي قد يقود إلى تغير جذري في طبيعة الدولة الإسرائيلية نفسها. فالسؤال، في رأيه، لم يعد يتعلق فقط بأمن الحدود، بل بطبيعة النظام السياسي وهوية الدولة في ظل التحولات الديموغرافية والسياسية.
وتصل مراكز أبحاث إسرائيلية، مثل معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، إلى استنتاج قريب من زاوية مختلفة. فهي تحذر من أن الاعتماد المستمر على القوة العسكرية لا يكفي لضمان الاستقرار، وأن الإنجازات العسكرية قد تتحول إلى عبء إذا لم ترافقها تسوية سياسية وبناء شرعية إقليمية. كما تشير إلى أن استمرار الصراع قد يدفع إسرائيل إلى واقع جديد يصعب فيه الحفاظ على تعريفها التقليدي كدولة يهودية وديمقراطية في الوقت نفسه.
وتناقش هذه الأدبيات أربعة تحديات رئيسية أمام إسرائيل.
أولها، العزلة الدولية المتزايدة إذا استمرت الحروب واتسعت الفجوة بين سياساتها ومواقف قطاعات من المجتمع الدولي والرأي العام العالمي.
وثانيها، التحول الديموغرافي والسياسي، إذ يثير استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية أسئلة متزايدة حول شكل الدولة ومستقبلها.
وثالثها، الانقسام الداخلي بين التيارات السياسية والدينية والاجتماعية، وهو انقسام تعتبره بعض الدراسات تحديًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن التهديدات الخارجية.
أما التحدي الرابع، فهو تغير البيئة الإقليمية، وهو الجانب الذي ازداد الاهتمام به بعد التحولات الأخيرة في الشرق الأوسط.
ففي العقود الماضية استفادت إسرائيل من ضعف النظام العربي، ومن الانقسامات الإقليمية، ومن الاعتماد الكبير على الوجود العسكري الأمريكي. لكن عددًا من الباحثين الغربيين والإسرائيليين يناقش اليوم سيناريو مختلفًا يقوم على تراجع الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، مقابل صعود قدرات الدول العربية اقتصاديًا وتقنيًا وعسكريًا.
وفي هذا السياق، لا تتوقع هذه الدراسات بالضرورة "هزيمة إسرائيل"، لكنها تشير إلى احتمال انتقال المنطقة من مرحلة التفوق الإسرائيلي الواضح إلى مرحلة توازن قوى إقليمي، تصبح فيها إسرائيل واحدة من عدة قوى مؤثرة، لا القوة المهيمنة الوحيدة.
وتلفت بعض الدراسات الإسرائيلية إلى نقطة مهمة، وهي أن دول الخليج، حتى عندما تتقاطع مصالحها الأمنية مع إسرائيل، لا تسعى إلى استبدال نفوذ إيراني بنفوذ إسرائيلي، بل إلى بناء توازن إقليمي يحفظ استقلال قرارها السياسي والأمني.
ومن هنا يظهر تحول لافت في طبيعة النقاش الأكاديمي. فبدلًا من السؤال التقليدي: "كيف تحافظ إسرائيل على تفوقها العسكري؟"، أصبح السؤال: "كيف تتكيف مع شرق أوسط قد يصبح أكثر تعددية في موازين القوى، وأكثر اعتمادًا على القوى الإقليمية، وأقل اعتمادًا على التدخل الخارجي؟"
وتجمع هذه الأدبيات على أن التفوق العسكري وحده لا يصنع قيادة إقليمية دائمة. فالنفوذ يحتاج أيضًا إلى شرعية سياسية، وعلاقات مستقرة مع الجوار، وقدرة على الاندماج في البيئة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تبرز القضية الفلسطينية باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل إسرائيل الإقليمي. فعدد من الباحثين يرى أن استمرار الصراع يجعل تحقيق قبول شعبي واسع في المنطقة أمرًا بالغ الصعوبة، حتى لو استمرت بعض أشكال التعاون الرسمي بين الحكومات.
ولهذا فإن الأدبيات الغربية والإسرائيلية لا تقدم إجابة واحدة بشأن مستقبل إسرائيل. فهي لا تقول إن زوالها حتمي، كما لا تقول إن استمرارها بصيغتها الحالية مضمون. لكنها تتفق على أن استمرار الاتجاهات الراهنة قد يفرض عليها تغيرات عميقة في شكل الدولة أو سياساتها أو مكانتها الإقليمية.
وبذلك يتحول السؤال من: هل ستبقى إسرائيل؟ إلى سؤال أكثر دقة: هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على نموذجها الحالي إذا تغيرت البيئة الإقليمية، وتصاعدت القدرات العربية، وتراجع الاعتماد على الدور العسكري الأمريكي، واستمرت أزماتها الداخلية والصراع مع الفلسطينيين؟
هذا هو السؤال الذي أصبح يحظى باهتمام متزايد في الجامعات الغربية ومراكز الدراسات الإسرائيلية. وهو لا يقدم نبوءة بمستقبل محدد، لكنه يعكس إدراكًا متزايدًا بأن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضًا بميزان الاقتصاد، والديموغرافيا، والشرعية السياسية، وقدرة دول المنطقة على بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقلالًا.
المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment