معطيات القوة الاقتصادية... بين الوهم والواقع
إعداد: عبد العزيز فهد الهزاع
محلل اقتصاد وتسويق
يظنّ كثير من أبناء الخليج أن دولهم تمتلك قوة اقتصادية هائلة، مستندين إلى أرقام الناتج المحلي والفوائض المالية، غير أن الحقيقة أعمق من ظاهر الأرقام، فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بما في الخزائن، بل بما يُنتج ويُعاد استثماره داخل الوطن. فالثروة التي لا تتحول إلى إنتاج تبقى رقمًا جامدًا لا يصنع استقرارًا ولا استدامة، إذ إن جوهر القوة يكمن في عمق الإنتاج وكفاءة الإدارة لا في حجم الإيرادات. فميزانية مدينة غربية متوسطة مثل هامبورغ أو بوسطن تعادل أو تفوق ميزانية دولة خليجية كاملة مثل عُمان، والفرق أن الأولى تنتج ما تنفقه، بينما الثانية تتفق ما لا تنتجه وهنا تتضح المفارقة بين المال بوصفه وفرة حسابية، وبين المال حين يتحول إلى معرفة وصناعة وتقنية تشكّل أساس التنمية المستدامة.
لقد اعتادت الاقتصادات الخليجية توجيه فوائضها النفطية والغازية إلى الخارج بحثًا عن الأمان والعائد المالي، فضعف الاستثمار المحلي أضعف الاقتصاد نفسه، لأن السيولة التي كان يمكن أن تبني المصانع وتخلق الوظائف صارت تكدّس الأرباح في البورصات الأجنبية، المال الخليجي اليوم يعمل في نيويورك ولندن وطوكيو، بينما تنتظر الأسواق المحلية أن تستعيد جزءًا من تلك الثقة وتشير دراسات دولية إلى أن كل دولار يُستثمر محليًا في قطاع التكنولوجيا يعادل تقريبًا 1.8 دولار من العائد الخارجي، مما يعني أن الاستثمار الداخلي ليس مجرد واجب وطني بل هو أيضًا خيار اقتصادي أكثر ربحية واستدامة على المدى الطويل.
غير أن المسألة ليست اقتصادية فحسب، بل اجتماعية كذلك، فالدول الخليجية الصغيرة تبدو في
مأمن اجتماعي بفضل محدودية عدد المواطنين ووجود /دروع بشري/ن العمالة الوافدة تُشكّل
حاجزًا غير مباشر بين المواطن والحالة الاقتصادية الفعلية، لكن هذه المعادلة ليست دائمة.
فحين تتزايد التحديات المعيشية وتتسع الفوارق بين الدخول، تضعف فاعلية هذا الحاجز وتظهر التفاوتات الحقيقية. أما في الدول الخليجية ذات الكثافة السكانية العالية مثل السعودية وعُمان، فإن أي تباطؤ اقتصادي أو تراجع في الإنفاق العام يمكن أن يفرز فوارق طبقية حادة تهدد التماسك الاجتماعي وتمتد آثارها إلى بقية دول الخليج الأصغر. وهنا يصبح تجاهل الاستثمار الإنتاجي في الداخل خطرًا لا يقل عن تقلبات الأسواق الخارجية، لأن الثروة التي لا توزع فرصًا تتحول من أداة استقرار إلى عامل هشاشة مستقبلية.
القوة المالية وحدها لا تحمي المجتمعات حين تتسع الفجوة بين طبقاتها، ولا حين يتحول المواطن من مساهم في التنمية إلى متلقّ للريع فقط. لذلك فإن إعادة توجيه جزء من أموال الصناديق السيادية نحو مشاريع إنتاج وفرص عمل محلية هو صمام الأمان الحقيقي لاستقرار المنطقة بأكملها، لأن الأمن الاقتصادي لا يُبنى بالعائد المالي وحده بل بتوزيع الفرص وعدالة الإنتاج
وفي هذا السياق، تبرز القوة القانونية بوصفها أحد أهم أدوات الحماية الاقتصادية في المرحلة القادمة، فالعقود الاستثمارية الخليجية المقترحه هنا للمستقبل خاصة تلك التي تشارك فيها الصناديق السيادية، يجب أن تخضع لجهات تحكيم محايدة ومستقلة تضمن العدالة الكاملة بين الأطراف.
لقد أثبتت التجربة أن التحكيم داخل بعض المحاكم الخليجية قد يتأثر بالعوامل السياسية أو العلاقات الإقليمية، كما حدث أثناء المقاطعة الخليجية حين تعرضت بعض الاستثمارات القطرية لمضايقات قانونية وإجراءات متعمدة لإضعاف مراكزها المالية. ومن هنا، فإن اللجوء إلى مراكز التحكيم الدولية الكبرى في نيويورك أو لندن يُعد الخيار الأمثل لحماية العقود الاستثمارية الخليجية من أي تأثير سياسي أو قانوني داخلي، هذه المراكز ليست مجرد قاعات تحكيم، بل مؤسسات قانونية راسخة تحكمها اتفاقية نيويورك لعام 1958، التي تضمن الاعتراف الدولي بالأحكام وتنفيذها في أكثر من 160 دولة حول العالم فالتحكيم الدولي لا يُخرج القرار الخليجي من يده، بل يضعه تحت مظلة العدالة المحايدة ويصونه من التجاذبات الإقليمية.
واختيار نيويورك أو لندن لا يُعدّ خروجًا عن السيادة، بل ممارسة رشيدة لها في إطار القانون الدولي الحديث. إنها وسيلة تجعل رأس المال الخليجي يُعامل بندّية في الأسواق العالمية، وتحمي الاستثمارات المشتركة من أي انحراف قضائي أو تدخل سياسي محتمل،بهذا النهج، تتحول الصناديق السيادية الخليجية إلى أدوات استثمار قوية وآمنة، محمية بقوانين تجارية عالمية تضمن الاستمرارية والاستقلال، وتُعيد بناء الثقة المفقودة بين الأسواق الخليجية بعد سنوات من التوتر السياسي، فالتحكيم الدولي هنا ليس انحيازًا للخارج، بل تأكيد على أن الحياد القانوني هو جزء من القوة الاقتصادية ذاتها، وأن المال الخليجي لا يحتاج إلى حماية محلية بل إلى عدالة دولية تحميه أينما استثمر.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن إجمالي أصول الصناديق السيادية في دول الخليج يتراوح حاليًا بين أربعة وستة تريليونات دولار، مع توقعات بأن يصل إلى نحو سبعة تريليونات أو أكثر بحلول عام 2030، بينما تذهب بعض المصادر إلى أن أصول تسعة عشر صندوقًا خليجيًا قد تبلغ 7.6 تريليونات دولار في الفترة ذاتها وهذه الأرقام الهائلة تمثل فرصة تاريخية لإطلاق ما يمكن وصفه ب "خطة مارشال خليجية" داخلية، تقوم على إعادة توجيه رأس المال نحو الداخل عبر استثمارات إنتاجية في التعليم وريادة الأعمال والصناعات المحلية والتقنية الوطنية، بما يتيح ترقية الطبقة الدنيا إلى الطبقة الوسطى، وتحويل الوسطى إلى طبقة منتجة وغنية علميًا وماليًا. إن مثل هذا التحول من شأنه أن يعيد تعريف مفهوم الثروة ذاته، لتصبح الصناديق السيادية محركات للنهضة لا خزائن للمدخرات، تمامًا كما فعلت خطة مارشال في أوروبا ولكن برؤية خليجية جديدة تتجه نحو الداخل بدل الخارج، إن القوة الاقتصادية الحقيقية لا تُقاس بما نملكه في الخارج، بل بما نبنيه في الداخل. وعندما يتحول الفائض النفطي إلى مصانع وفرص عمل ومعرفة، يصبح المجتمع أكثر استقرارًا والدولة أكثر رسوخًا، أما ترك المال يعمل في الخارج دون إنتاج داخلي، فهو قوة شكلية تخفي هشاشة حقيقية.
جميع الحقوق محفوظة ©
عبد العزيز فهد الهزاع
يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.
Comments
Post a Comment