الإمارات وإسرائيل- من التجارة إلى الأمن والنفوذ

الإمارات وإسرائيل: اتفاقيات تتجاوز التجارة إلى الأمن والنفوذ الإقليمي

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 20 أكتوبر 2026

منذ توقيع اتفاقيات إبراهيم في 15 سبتمبر 2020، تطورت العلاقات الإماراتية الإسرائيلية من الاعتراف الدبلوماسي إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية. ولم تعد هذه العلاقات مجرد تبادل للسفارات والزيارات الرسمية، بل أصبحت شراكة تؤثر في مصالح البلدين وموقعهما داخل الشرق الأوسط.

والسؤال الاقتصادي والاستراتيجي هو: ماذا حصلت الإمارات من هذه الاتفاقيات، وماذا حصلت إسرائيل، وهل تتناسب المنافع المتبادلة مع التكاليف السياسية والأمنية التي يتحملها الطرفان؟

بدأت العلاقات بمعاهدة السلام والتطبيع، التي أقامت العلاقات الدبلوماسية الكاملة وفتحت المجال لتوقيع عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم. وفي 20 أكتوبر 2020، وقعت الدولتان ست وثائق أساسية شملت حماية الاستثمارات، والخدمات الجوية، والإعفاء من التأشيرات، والعلوم والتكنولوجيا، والتعاون الاقتصادي، والخدمات المالية.

وبموجب اتفاقية حماية الاستثمارات، أصبح المستثمرون في البلدين يتمتعون بضمانات قانونية تشجع انتقال رؤوس الأموال. كما وقعت الدولتان اتفاقية لمنع الازدواج الضريبي في مايو 2021، بهدف تخفيف الأعباء الضريبية وتنظيم المعاملة المالية للشركات والمستثمرين.

وهذه الترتيبات مهمة لإسرائيل لأنها تفتح أمام شركاتها مصادر تمويل واستثمار خليجية، بينما تتيح للإمارات الوصول إلى شركات إسرائيلية متخصصة في التكنولوجيا والصناعة والخدمات المتقدمة.

وجاءت الخطوة الاقتصادية الكبرى بتوقيع اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة في 31 مايو 2022، التي دخلت حيز التنفيذ في أبريل 2023. وشملت تخفيض أو إزالة الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من بنود التعرفة، تغطي نحو 99% من قيمة التجارة السلعية وقت الاتفاق.

وامتدت الاتفاقية إلى الخدمات المالية والنقل والاتصالات والتجارة الرقمية والمشتريات الحكومية وحماية الملكية الفكرية، وأصبحت بذلك الإطار القانوني الأساسي لتوسيع التجارة بين البلدين.

وتؤكد الأرقام أن هذه الاتفاقيات حققت نتائج ملموسة. فقد بلغت التجارة السلعية الثنائية 3.209 مليارات دولار خلال عام 2025، مقارنة بنحو 3.254 مليارات في 2024. ووصل إجمالي التجارة المتراكمة إلى نحو 14.53 مليار دولار بين سبتمبر 2020 ومايو 2026، وفق وزارة الخارجية الإماراتية.

والمثير اقتصاديًا أن نحو 80% من تجارة السلع المسجلة عام 2025 كانت من الإمارات إلى إسرائيل، مقابل نحو 20% في الاتجاه المعاكس. لكن هذه الأرقام لا تعني أن جميع السلع الواردة من الإمارات مصنعة محليًا، لأن تجارة إعادة التصدير تشكل جزءًا من النشاط التجاري الإماراتي.

وهنا تظهر منفعة الإمارات باعتبارها مركزًا للتجارة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، بينما تستفيد إسرائيل من الوصول إلى شبكة تجارية ومالية خليجية ودولية واسعة.

وفي قطاع الطيران والسياحة، ألغت الدولتان متطلبات التأشيرات المسبقة وفق شروط محددة، وافتتحتا خطوطًا جوية مباشرة. وارتفع عدد المسافرين بينهما إلى نحو 1.53 مليون مسافر في 2025، مقارنة بنحو 892 ألفًا في 2024.

ويستفيد قطاع الطيران والفنادق والمطارات والتجارة من هذه الحركة، كما يحصل رجال الأعمال الإسرائيليون على وسيلة مباشرة للوصول إلى دبي وأبوظبي باعتبارهما مركزين عالميين للمال والأعمال.

أما في الطاقة، فقد برز استثمار شركة مبادلة الإماراتية في حصة تبلغ 22% من حقل تمار للغاز الطبيعي الإسرائيلي، في صفقة تجاوزت قيمتها مليار دولار. ويمنح الاستثمار الإماراتي ارتباطًا مباشرًا بإنتاج الغاز في شرق المتوسط، ويوفر للشركاء الإسرائيليين رؤوس أموال وخبرة استثمارية.

وشملت تفاهمات أخرى النقل البحري والموانئ وإمكان استخدام خط أنابيب النفط بين إيلات وعسقلان، لكن المشروع الأخير واجه اعتراضات بيئية وعقبات تنظيمية، ولم يتحول إلى ممر يعمل بالحجم الذي كان مخططًا له.

وفي الزراعة والمياه والأمن الغذائي، وقعت شركات ومؤسسات من البلدين اتفاقيات تتعلق بالري الحديث والزراعة الصحراوية وتحلية المياه وتطوير المحاصيل. كما امتد التعاون إلى الأبحاث الطبية والذكاء الاصطناعي والتعليم والفضاء والأقمار الصناعية.

وتستفيد الإمارات من بعض الخبرات الإسرائيلية في هذه المجالات، بينما تحصل الشركات والمؤسسات الإسرائيلية على عقود وفرص استثمار وتمويل. ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الاتفاقيات التي نُفذت فعلًا ومذكرات التفاهم التي لم تتجاوز مرحلة الإعلان.

لكن الجانب الأكثر حساسية هو التعاون العسكري والأمني.

ففي مارس 2021، وقعت مجموعة EDGE الإماراتية اتفاقًا مع الصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير أنظمة لمواجهة الطائرات المسيّرة. وتوسع التعاون لاحقًا إلى تطوير الزوارق البحرية غير المأهولة وأنظمة الاستشعار والحماية الإلكترونية.

وفي سبتمبر 2022، كشفت رويترز عن موافقة إسرائيل على بيع منظومات SPYDER للدفاع الجوي إلى الإمارات، في أعقاب الهجمات الحوثية بالطائرات المسيّرة والصواريخ.

وفي دراسة نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في أكتوبر 2026، ظهرت معلومات عن توسع التعاون الدفاعي بين البلدين، وتقارير عن نشر معدات دفاع جوي إسرائيلية داخل الإمارات خلال المواجهات الإقليمية الأخيرة. وبعض تفاصيل هذا الانتشار لم تؤكدها الحكومتان رسميًا.

ويعني ذلك أن العلاقة العسكرية تجاوزت مجرد شراء المعدات إلى التصنيع والتطوير المشترك، وربما ترتيبات تشغيلية وتبادل معلومات في بعض المجالات.

وتستفيد الإمارات من التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية وتعزيز قدراتها على مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تحقق إسرائيل عائدات لصناعاتها العسكرية وتوسع حضورها الأمني في الخليج.

ومن الناحية الاستراتيجية، تمنح هذه العلاقات إسرائيل فرصة لم تكن متاحة سابقًا بهذا الاتساع: بناء مصالح اقتصادية وأمنية مباشرة مع دولة خليجية مؤثرة، بما يساعدها على تخفيف عزلتها الإقليمية وتنويع علاقاتها خارج الإطار الغربي التقليدي.

أما الإمارات، فتسعى إلى توسيع شراكاتها التكنولوجية والعسكرية وتنويع مصادر التسليح والاستثمار، وتقوية موقعها التجاري والاقتصادي.

غير أن لهذه الشراكة تكاليف سياسية. فقد أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى اتساع الفجوة بين استمرار التعاون الرسمي والموقف الشعبي العربي من إسرائيل.

وأقر معهد الأمن القومي الإسرائيلي في سبتمبر 2025 بأن الحرب أضرت بالتطبيع العلني، رغم استمرار العلاقات الاقتصادية والتعاون الأمني. كما حذرت الإمارات من أن ضم أراضٍ في الضفة الغربية سيضر باتفاقيات إبراهيم.

وهذا يؤكد أن المصالح المشتركة لا تلغي الخلافات السياسية، ولا توفر بالضرورة قبولًا شعبيًا للعلاقة.

والأهم أن كثافة الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية لا تعني وجود معاهدة دفاع جماعي تلزم الإمارات وإسرائيل بالدخول في الحرب دفاعًا إحداهما عن الأخرى. فلم تظهر في الوثائق الرسمية المنشورة معاهدة من هذا النوع.

إن حصيلة السنوات الست الماضية تكشف عن شراكة فعلية متعددة المجالات، حققت للطرفين مصالح اقتصادية وتكنولوجية وأمنية، لكنها لم تتحول إلى اتحاد سياسي أو عسكري متكامل.

فإسرائيل تجد في الإمارات سوقًا ورأس مال وشريكًا أمنيًا ومركزًا للانفتاح على المنطقة، بينما تجد الإمارات في إسرائيل مصدرًا إضافيًا للتكنولوجيا والاستثمار والخدمات الدفاعية.

لكن السؤال الأعمق ليس مقدار التجارة أو عدد الاتفاقيات، وإنما مدى قدرة هذه الشراكة على الصمود عندما تتعارض مصالح البلدين، أو عندما تصبح كلفتها السياسية والأمنية أعلى من منافعها الاقتصادية.

فالاتفاقيات تستطيع بناء المصالح بين الحكومات والشركات، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الأمن الإقليمي أو تجاوز القضية الفلسطينية أو ضمان قبول شعوب المنطقة بترتيبات لم تشارك في صياغتها.

المصادر الرئيسية التي استند إليها المقال: وزارة الخارجية الإماراتية، ووزارة الاقتصاد الإماراتية، والسجلات الحكومية الإسرائيلية، وشركة الصناعات الجوية الإسرائيلية، ووكالة رويترز، ومعهد الأمن القومي الإسرائيلي INSS، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، ودراسة أكاديمية متخصصة في العلاقات الدفاعية الإماراتية الإسرائيلية.

المصادر والمراجع: الأمم المتحدة، ميثاق الأمم المتحدة؛ معهد ستوكهولم SIPRI، قاعدة الإنفاق العسكري.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟