الناقلات القديمة والأنابيب- خيارات قطر أمام هرمز

قطر تعبر هرمز بناقلات قديمة لتنقذ صادراتها: لماذا أصبح مشروع الأنابيب الخليجية ضرورة استراتيجية؟

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع

الدوحة – 15 أكتوبر 2026

كشفت وكالة بلومبرغ، في تحقيق نشرته يوم 14 أكتوبر 2026، عن تجربة قطرية غير مسبوقة في إدارة صادرات الغاز الطبيعي المسال خلال أزمة مضيق هرمز، تمثلت في استخدام ناقلات قديمة لعبور المنطقة الخطرة، ثم نقل شحناتها إلى ناقلات أحدث خارج المضيق لمواصلة الرحلة إلى الأسواق الآسيوية.

وبحسب التحقيق، عبرت ناقلة الغاز «الريان»، البالغ عمرها 29 عامًا، مضيق هرمز باتجاه ميناء صحار العُماني في العاشر من سبتمبر، بعد الحصول على تطمينات أمنية من البحرية الأمريكية. وبعد أيام، تولت الناقلة الحديثة «المصعبية»، المصنوعة عام 2025، نقل الشحنة باتجاه الصين، بينما عادت «الريان» لاستلام شحنة أخرى.

هذه الخطوة تستحق التقدير من الناحية التشغيلية، لكنها تثير سؤالًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر: هل أصبح مستقبل صادرات الطاقة الخليجية مرتبطًا بإيجاد طرق دائمة خارج مضيق هرمز، بدل الاستمرار في البحث عن وسائل مؤقتة لعبوره؟

فالمشكلة لم تعد تقتصر على ارتفاع تكاليف التأمين أو تأخر الناقلات، وإنما أصبحت تتعلق بقدرة الدول المنتجة على الوصول إلى عملائها، وحماية عقودها طويلة الأجل، والمحافظة على مكانتها في سوق عالمية لا تنتظر المنتج الغائب إلى ما لا نهاية.

لقد نجحت قطر في ابتكار وسيلة لعبور المضيق، ولكنها لم تنجح بعد في التخلص من الاعتماد عليه. فالناقلة القديمة التي تعبر هرمز لا تزال معرضة للخطر، والناقلة الحديثة التي تنتظر خارج المضيق لا تستطيع استلام شحنتها إذا تعطل العبور. وهكذا يبقى القرار الاقتصادي للدولة مرتبطًا بظروف أمنية لا تملك السيطرة الكاملة عليها.

وتشير بلومبرغ إلى أن نحو عشرين ناقلة تحمل الغاز القطري عبرت المضيق خلال الأسابيع الأربعة التالية للتجربة، وهو تطور تشغيلي مهم. لكن بيانات شركة كبلر التي نقلتها رويترز تكشف أن إجمالي صادرات سبتمبر ظل أقل من ربع متوسط مستويات ما قبل الحرب، وأن جزءًا منها اتجه إلى الكويت داخل الخليج نفسه. وهذا يؤكد أن زيادة عدد الناقلات العابرة لا تعني عودة الصادرات إلى مستوياتها الطبيعية.

إن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة ليس إغلاق المضيق وحده، بل احتمال فقدان الأسواق التي احتاجت قطر إلى عقود طويلة لبنائها. فالمشتري الآسيوي أو الأوروبي الذي لا يتسلم الغاز في موعده سيضطر إلى البحث عن مصادر بديلة، وقد تتحول هذه البدائل المؤقتة إلى عقود طويلة الأجل إذا استمرت الأزمة.

وهنا تظهر المنافسة الأمريكية بوضوح. فقد أوضحت رويترز أن صادرات الغاز الأمريكي ارتفعت خلال عام 2026، وأسهمت في تعويض جزء من نقص الإمدادات الخليجية. وفي الوقت نفسه، اضطرت شركات أوروبية إلى شراء الغاز الأمريكي لتعويض الشحنات القطرية المتوقفة. والنتيجة الاقتصادية، بصرف النظر عن النوايا السياسية، هي انتقال جزء من الطلب على الغاز القطري إلى منافسين آخرين.

وتزداد خطورة هذا التحول عندما ندرك أن الغاز الطبيعي المسال ليس سلعة يمكن تعويضها بسهولة بعد انتهاء الأزمة. فالعقود طويلة الأجل، والاستثمارات في محطات الاستقبال، والارتباطات التمويلية بين المنتج والمشتري، تجعل استعادة العميل أصعب من مجرد استئناف الإنتاج.

لقد قدمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تجربتين تستحقان الدراسة. فخط أنابيب النفط السعودي الممتد إلى ينبع على البحر الأحمر، وخط أبوظبي إلى الفجيرة، أتاحا تصدير كميات مهمة من النفط دون عبور مضيق هرمز. ووفقًا لوكالة الطاقة الدولية، رفعت السعودية صادراتها عبر ينبع إلى أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا خلال يونيو، بينما يتمتع خط الفجيرة بطاقة تصميمية تقارب 1.8 مليون برميل يوميًا.

هذه المشروعات لم تُلغِ أهمية هرمز، ولم تجعل صادرات البلدين محصنة من الهجمات، لكنها قدمت مسارات إضافية تقلل الاعتماد على منفذ بحري واحد. وهذا هو المبدأ الذي تحتاج إليه دول الخليج في صناعة الغاز، مع الاعتراف بأن نقل الغاز أكثر تعقيدًا من نقل النفط.

وقد أعلنت وكالة الطاقة الدولية أن نحو 93% من صادرات الغاز القطري المسال عام 2025 عبرت مضيق هرمز، وهي نسبة تكشف حجم المخاطر التي كانت قائمة حتى قبل الحرب. وأكدت الوكالة عدم وجود طريق بديل قادر حاليًا على نقل هذه الكميات إلى الأسواق العالمية.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة مشروع خليجي مشترك لنقل الغاز الطبيعي عبر خطوط أنابيب من قطر إلى منشآت تصدير جديدة على الساحل العُماني خارج مضيق هرمز، وخاصة في المناطق المطلة على بحر العرب، على أن يحدد المسار النهائي بناءً على دراسات الهندسة والتكلفة والأمن.

لكن ينبغي توضيح حقيقة فنية أساسية: الغاز الطبيعي المسال لا يُنقل داخل خطوط أنابيب تقليدية بحالته السائلة. المطلوب نقل الغاز الطبيعي في صورته الغازية، ثم إنشاء وحدات إسالة وتخزين وتحميل جديدة عند منفذ التصدير البديل.

وهذا يختلف عن نقل الشحنات بين الناقلات أمام صحار. ففي المشروع المقترح لا تحتاج شحنات الغاز الخارجة من المنشأة الجديدة إلى عبور هرمز أصلًا.

وفي 21 سبتمبر 2026، أوضح وزير الدولة لشؤون الطاقة المهندس سعد بن شريدة الكعبي أن دولًا مجاورة أبدت استعدادها لاستضافة خطوط أنابيب تتجاوز المضيق، لكنه اعتبر إنشاء منشآت إسالة إضافية غير مجدٍ اقتصاديًا بسبب تكرار الاستثمارات الضخمة القائمة في قطر. وأعلن أن قطر قررت عدم اعتماد هذا البديل وفق المعايير الفنية والتجارية.

هذا الموقف مفهوم عند مقارنة تكلفة إنشاء منشآت جديدة بتكلفة استخدام البنية القائمة في رأس لفان. لكن الأزمة الحالية تطرح سؤالًا مختلفًا: هل ينبغي تقييم الجدوى الاقتصادية على أساس تكلفة الإنشاء والتشغيل فقط، أم يجب إضافة تكلفة الإغلاق المتكرر، وفقدان الإيرادات، وتعطل العقود، واحتمال خسارة العملاء بصورة دائمة؟

فبحسب تقديرات نشرتها بلومبرغ، قد تبلغ قيمة المبيعات المفقودة نحو مليار دولار عن كل أسبوع تتعطل فيه صادرات رأس لفان. وهذا تقدير للمبيعات وليس صافي الأرباح أو الخسائر المحاسبية، لكنه يعكس حجم الإيرادات المعرضة للخطر.

إن مشروع الأنابيب لا ينبغي أن يُدرس باعتباره بديلًا فوريًا لكامل منشآت الإسالة القطرية، بل باعتباره تأمينًا استراتيجيًا لجزء من القدرة التصديرية. ويمكن البدء بدراسة طاقة محدودة، ثم التوسع وفق نتائجها، بدل الالتزام منذ البداية بمشروع يكرر كامل البنية التحتية في رأس لفان.

ومن خلال تجربتي السابقة في تمويل مشروعات النفط والغاز، أرى أن البنوك والمؤسسات المالية الدولية يمكن أن تلعب دورًا رئيسيًا في تقييم المشروع. فالممول لا ينظر إلى تكلفة إنشاء الأنبوب وحدها، وإنما ينظر إلى انتظام التدفقات النقدية، ومخاطر توقف التشغيل، والقدرة على خدمة الدين طوال عمر المشروع.

وإذا ثبت أن وجود مسار تصدير بديل يقلل احتمالات انقطاع الإيرادات، فإن هذه الميزة ينبغي أن تدخل في النموذج المالي للمشروع، وأن تنعكس على تقييم المخاطر والتأمين والتمويل. وقد يجعل ذلك بعض الاستثمارات الإضافية أكثر قبولًا من منظور اقتصادي طويل الأجل.

ولا بد أن يقوم المشروع على اتفاقية خليجية واضحة تحفظ حقوق الدول المشاركة، وتحدد رسوم العبور، والتزامات التشغيل، وحماية المنشآت، وآليات التحكيم والتعويض عن التعطيل. كما ينبغي حماية حقوق البنوك والمستثمرين من القرارات الأحادية التي قد تؤثر في استمرار تدفق الغاز.

أما خط دولفين القائم بين قطر والإمارات وعُمان، فهو يوفر خبرة عملية في التعاون العابر للحدود، لكنه لا يستطيع وحده توفير بديل كبير لصادرات الغاز المسال. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية محدودية طاقته الفائضة، فضلًا عن أن منشآت الإسالة العُمانية الحالية كانت تعمل بمعدلات استخدام تقترب من طاقتها القصوى. ولذلك يحتاج المشروع المقترح إلى استثمارات جديدة، وليس مجرد استخدام الشبكة القائمة.

وقد أثبتت الأزمة أيضًا أن حماية خطوط الأنابيب ومحطات التصدير لا تقل أهمية عن إنشائها. فالاعتداءات التي طالت منشآت الطاقة الخليجية تؤكد أن نقل التصدير إلى ساحل آخر لا يوفر حصانة مطلقة. لكن توزيع الطاقة التصديرية بين أكثر من منفذ يقلل احتمال تعطيل الصادرات جميعها بسبب حادث واحد أو إغلاق ممر واحد.

ومن الناحية السياسية، فإن مشروعًا خليجيًا مشتركًا لا ينبغي أن يُفهم باعتباره موقفًا عدائيًا تجاه الولايات المتحدة أو إيران، وإنما ممارسة طبيعية لحق الدول المنتجة في حماية اقتصادها ومصالح عملائها. فالتحالفات العسكرية والضمانات الأمنية قد تتغير، بينما تحتاج عقود الغاز إلى الاستقرار على مدى عشرين أو ثلاثين عامًا.

وليس من المقبول اقتصاديًا أن تظل دول تملك احتياطيات ضخمة من النفط والغاز عاجزة عن تصدير إنتاجها كلما تحولت مياه هرمز إلى منطقة صراع. كما لا ينبغي أن يصبح وصول الطاقة الخليجية إلى الأسواق العالمية مرهونًا بصورة مستمرة بتطمينات قوة عسكرية أجنبية أو بموافقة طرف إقليمي يملك القدرة على تعطيل الملاحة.

لقد أظهرت قطر قدرة على الابتكار والتكيف عندما استخدمت ناقلات قديمة لحماية صادراتها واستمرار علاقتها بالعملاء. وهذه المرونة ضرورية لإدارة الأزمة الراهنة، لكنها لا تكفي لبناء مستقبل آمن لقطاع يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني.

إن المطلوب اليوم ليس اتخاذ قرار متسرع بإنشاء أنابيب ومحطات إسالة جديدة، وإنما تكليف جهة خليجية مشتركة بإعداد دراسة جدوى استراتيجية ومالية مستقلة، تقارن بين تكلفة المشروع وتكلفة استمرار الاعتماد على هرمز في ضوء ما حدث خلال عام 2026.

فالاستثمارات الكبيرة قد تبدو مكلفة في زمن الاستقرار، لكنها قد تصبح أقل تكلفة بكثير من خسارة الأسواق والعملاء والإيرادات في زمن الأزمات.

والخلاصة أن ناقلة «الريان» نجحت في عبور مضيق هرمز، لكنها قدمت درسًا يتجاوز نجاح رحلتها. فقد أثبتت أن قطر تستطيع ابتكار وسائل لاستمرار التصدير تحت الضغط، بينما يبقى التحدي الحقيقي هو بناء منظومة تسمح بتصدير جزء من الغاز دون الاضطرار إلى دخول المضيق أصلًا.

لقد حان الوقت لكي تنتقل دول الخليج من إدارة مخاطر هرمز إلى تقليل اعتمادها عليه، ليس بإغلاق باب التعاون السياسي والأمني، وإنما بفتح أبواب اقتصادية وجغرافية جديدة أمام صادراتها.

فالدولة التي تملك الغاز يجب أن تملك أيضًا خيارات تصديره، لا أن تظل تبحث في كل أزمة عن سفينة تستطيع عبور المضيق.

المصادر المعتمدة: تحقيق بلومبرغ بتاريخ 14 أكتوبر 2026، وتحليلات رويترز بتاريخ 12 و15 أكتوبر 2026، وتقارير وكالة الطاقة الدولية لعام 2026، وتصريحات وزير الدولة لشؤون الطاقة المنشورة في وكالة الأنباء القطرية بتاريخ 21 سبتمبر 2026.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟