مجلس يتحدث كثيرًا... لكنه لا ينتج
إعداد: عبد العزيز فهد الهزاع
محلل اقتصاد وتسويق
منذ أكثر من أربعة عقود، ومجلس التعاون الخليجي يشكّل إحدى أكثر التجارب التكاملية استقرارًا في العالم العربي اجتماعات، لجان، واتفاقيات لا تنتهي... لكن الناتج الاقتصادي المشترك ما زال محدودًا، والمنظمات الخليجية لم تتحول بعد إلى أدوات إنتاج حقيقية، فأين تكمن المشكلة؟
الجواب ببساطة: في البنية الإدارية نفسها - إذ تُدار المنظمات الاقتصادية بعقلية سياسية وقبلية، لا بعقلية السوق والشركة.
أولا: الإدارة القبلية... سلطة لاشراكة
الأنظمة القبلية تنجح في إدارة الدولة، لكنها تجد معضلات جمة في التعاون الاقتصادي المشترك بحكم تكوينها الاجتماعي، فهي تقوم على الولاء والقرار المركزي، لا على روح المنافسة والمبادرة، وحين تُنقل هذه الذهنية إلى مؤسسات التعاون الخليجي، تُصبح الهيئات المشتركة أشبه ب"مجالس عائلية/تتبادل المجاملات أكثر من تبادل الأرباح، لا توجد فيها حوافز للمنافسة أو معايير للربح، بل موازنات تُنفق وتقارير تُكتب دون أثر فعلي في المصانع أو الأسواق، بكلمات أوضح: نحن نتعاون إداريًا، لا ننتج اقتصاديًا.
ثانيًا: المنظمات الاقتصادية... تتحدث أكثر مما تنتج
منظمة الخليج للاستشارات الصناعية -الدوحة)، الهيئة الخليجية للمواصفات -الرياض)، مؤسسة الخليج للاستثمار -الكويت)، والربط الكهربائي !الدمام)... كلها مؤسسات صُممت
للتنسيق لا للتنافس، فبقيت تدير الحديث بدل أن تدير المشاريع والنتيجة: ملفات مكتملة الصياغة... ومصانع ناقصة التشغيل.
ثالثًا: من الهيئات إلى الشركات الرأسمالية
الحل ليس في إلغاء هذه المنظمات، بل في تحويلها إلى شركات خليجية مشتركة تعمل بمنطق الربح والخسارة لا بمنطق التقارير السنوية، الشركة تربح فتقيس أداءها، تخسر فتراجع نفسها، بينما الهيئة ترفع تقريرًا ولا تتغير، حين تتحول الهيئات إلى شركات استثمار صناعي وتمويلي وتقني، ستبدأ المنظومة الخليجية بإنتاج القيمة لا الكلام.
رابعًا: المواطن الخليجي... من متفرّج إلى مساهم
لا بد أن يُسمح للمواطن الخليجي بالمشاركة — ولو بنسبة رمزية — في هذه الشركات المشتركة، فالدولة تضمن السيادة، والمواطن يضمن الحيوية وعندما يمتلك المواطن سهمًا في شركة خليجية صناعية أو رقمية، يتحوّل التعاون من شعار رسمي إلى مصلحة شخصية واقتصادية مشتركة، ويولد ما يمكن تسميته ب الرأسمالية الخليجية المتضامنة.
خامسًا: التعاون المالي... من الاجتماعات إلى المنصات الرقمية
العملة الخليجية الموحدة تأخرت، لكن البديل أكثر واقعية: عملة رقمية خليجية مدعومة بتقنية البلوك تشين، منصة موحدة تربط البنوك المركزية وتُبسّط التحويلات وتقلل كلفة التجارة، كما بمكن إنشاء: منصة تمويل صناعي خليجية تستثمر الفوائض النقدية في مشاريع إنتاجية، سوق سندات رقمية موحدة تعزز الشفافية والسيولة، هكذا يتحوّل التعاون المالي من "مشروع مؤجل" إلى منظومة ربحية متجددة.
سادسًا : ما يبقى وما يتغير
يبقى مجلس التعاون الخليجي الإطار السياسي الأعلى، لكن أذرعه الاقتصادية والمالية يجب أن تتحول من منظمات حيادية إلى شركات إنتاجية تخلق الربح وتوزّعه، الخليج لا يحتاج إلى المزيد من اللجان، بل إلى سوق خليجية واحدة تجمع الطاقة والتقنية والتمويل في منظومة إنتاجية مشتركة.
خاتمة: الخليج بحاجة إلى سوق... لا إلى مجلس
الأنظمة القبلية تنجح في إدارة الدولة، لكنها تجد معضلات جمة في بناء تعاون اقتصادي مشترك بحكم تكوينها الاجتماعي، فهي تقوم على التماسك الاجتماعي والولاء الجماعي، وهي عناصر ثمينة للحكم والاستقرار، لكنها بطبيعتها لا تُنتج مناخًا تنافسيًا أو سوقيًا بالمعنى الحديث، فالقبيلة توحّد القرار وتحفظ التوازن الاجتماعي، لكنها لا تُشجّع على توزيع المخاطر أو خلق المنافسة الحرة، وهما شرطان أساسيان لأي سوق خليجية مشتركة، وبينما يقوم النموذج الأوروبي على المصالح الاقتصادية المتبادلة والتنافس المؤسسي، يقوم النموذج الخليجي على الروابط والعلاقات والتراتبية الاجتماعية لذلك، لا يمكن استنساخ التجربة الأوروبية حرفيًا، بل يجب أن يُبنى التكامل الخليجي على خصوصيته الاجتماعية - أي تحويل التضامن القبلي إلى تضامن تجاري رأسمالي منتج، إن المطلوب اليوم ليس أن تتخلى الأنظمة عن جذورها، بل أن تطوّر أدواتها الاقتصادية لتستوعب منطق السوق، أن تبقى القيم القبلية حاضرة كمرجع استقرار لكن تُدار المؤسسات بعقلية استثمارية حديثة تقيس الأداء بالعائد لا بالولاء، فالمستقبل لا يُدار باللجان ولا بالمجاملات، بل بالمنصات والأسواق، ولا يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بحجم الأرباح التي تصنعها يد خليجية واحدة بروحٍ حديثة وجذورٍ أصيلة.
ضريبة القيمة المضافة -5٪) في قطر.. هل سترفع الأسعار؟ إعداد: عبد العزيز فهد الهزاع
محلل اقتصاد وتسويق
النتائج باختصار :
تُظهر دراسة لعشر سنوات ;%2025-2015) أن تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪ في قطر سيؤدي إلى ارتفاع محدود بالأسعار بين 1.3 و2.6٪ فقط في السنة الأولى، ثم تستقر السوق بعد ذلك.
الاثر على الدخل:
مقيم محدود الدخل ,8 آلاف ريال): زيادة شهرية تقارب 100-200 ريال، أسرة مواطنة ;%30 ألف ريال): نحو 400-700 ريال شهريًا، أي ما يعادل 1.3 إلى 2.6٪ من الدخل الشهري فقط.
التجارب الخليجية:
الإمارات والبحرين وعُمان أثبتت أن ضريبة 5٪ لا تخلق تضخّما دائمًا، بل تدعم استقرار الميزانية وتنويع الإيرادات.
التوصيات:
* إعفاء الغذاء والصحة والتعليم والسكن.
* صرف بدل غلاء مؤقت في سنة التطبيق.
* توجيه الحصيلة لتحسين النقل والأسواق وخفض كلفة المعيشة.
الخلاصة:
ضريبة 5٪ في قطر ستكون قابلة للتحمّل وعدالة التطبيق إذا نُفذت تدريجيًا وشفافًا - فتتحول من عبء مالي إلى أداة تنموية تخدم الاستقرار والعدالة الاقتصادية.
جميع الحقوق محفوظة ©
عبد العزيز فهد الهزاع
يحظر إعادة النشر أو الترجمة أو الاقتباس الجزئي إلا بإذن خطي من المؤلف.
Comments
Post a Comment