التوافق الخليجي العربي في اليمن وتراجع النفوذ الخارجي
التوافق الخليجي–العربي في اليمن يحد من النفوذ الإسرائيلي ويضعف المبررات الأمريكية للهيمنة على مضيق هرمز
إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع
الدوحة – 19 أكتوبر 2026
إن التقارب الخليجي–العربي الجاري بشأن اليمن يحمل أبعادًا استراتيجية تتجاوز مواجهة الحوثيين وتأمين باب المندب، إذ يمكن أن يشكل بداية لتحول أوسع في إدارة الأمن الإقليمي، يحد من النفوذ السياسي والعسكري الإسرائيلي، ويقلص قدرة الولايات المتحدة على الانفراد بالقرارات الأمنية في مضيق هرمز، واستخدام الصراع مع إيران لتبرير استمرار وجودها العسكري وتحكمها بحركة الملاحة.
فالمشكلة التي تواجه دول الخليج لم تعد مقتصرة على التهديدات الإيرانية، وإنما أصبحت تشمل تحول الممرات البحرية التي تعتمد عليها اقتصاداتها إلى ساحات صراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، بينما تتحمل الدول الخليجية الخسائر الاقتصادية وتعطل صادراتها النفطية والغازية.
وقد كشف تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية في 17 أكتوبر 2026 عن تفاهم جديد بين السعودية والإمارات بشأن اليمن، يتضمن استئناف الدعم الإماراتي لقوات يمنية تقاتل الحوثيين، مقابل توفير غطاء جوي سعودي. كما أعلنت مصر استعدادها لتقديم الدعم اللازم للدفاع عن السعودية في مواجهة الهجمات الحوثية.
هذه التطورات لا تعني اكتمال تحالف عربي موحد، لكنها تشير إلى إمكانية تجاوز بعض الخلافات السابقة، والانتقال نحو تنسيق أوسع تتولى فيه الدول العربية مسؤولية حماية أمنها بدل الاعتماد الكامل على التدخلات الخارجية.
وتبرز أهمية هذا التحول عند قراءة الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية نفسها.
ففي دراسة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في الثاني من يونيو 2026، حذر الباحث يوئيل غوزانسكي من أن التقارب بين السعودية ومصر وتركيا وباكستان قد ينتج إطارًا سياسيًا إقليميًا يتخذ مواقف معارضة لإسرائيل، ويقلل فرص التقارب السعودي الإسرائيلي.
وفي دراسة أخرى صدرت عن المعهد في 20 أغسطس، تناول الباحثان يوئيل غوزانسكي وغاليا ليندنشتراوس الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وأوصيا إسرائيل بتجنب معارضته علنًا حتى لا تتحول هي نفسها إلى عامل يساعد على تماسك أطرافه.
وتكشف هذه التوصيات عن مسألة جوهرية، وهي أن بعض المؤسسات البحثية الإسرائيلية تتحسب من نشوء قوة إقليمية مستقلة تستطيع تحديد أولوياتها الأمنية دون أن تكون إسرائيل جزءًا ضروريًا من ترتيباتها.
وتزداد أهمية هذا القلق عندما يرتبط التوافق العربي باليمن والبحر الأحمر.
ففي 25 سبتمبر 2026، نشر معهد الأمن القومي الإسرائيلي دراسة بعنوان «حصار مقابل حصار: المعركة من أجل باب المندب»، تناولت التهديد الحوثي للملاحة السعودية، واعتبرت الأزمة فرصة لإسرائيل لتقديم مساعدة أمنية غير معلنة للسعودية، على أمل أن يتحول التعاون الأمني لاحقًا إلى تقارب سياسي واستراتيجي أوسع.
وهذه الوثيقة مهمة لأنها تبين أن بعض الباحثين الإسرائيليين لا ينظرون إلى أزمة اليمن باعتبارها تهديدًا أمنيًا فحسب، وإنما يرون فيها أيضًا فرصة لتعزيز مكانة إسرائيل داخل الترتيبات الأمنية الإقليمية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية التوافق الخليجي–العربي المستقل. فإذا استطاعت السعودية والإمارات ومصر، بالتنسيق مع بقية الدول الخليجية والحكومة اليمنية، معالجة التهديد الحوثي وحماية الملاحة دون الحاجة إلى إدخال إسرائيل في ترتيباتها الأمنية، فإن ذلك سيحد من فرصة توسيع النفوذ الإسرائيلي في البحر الأحمر.
ولا يعني ذلك بالضرورة معارضة إسرائيل لعودة الأمن إلى باب المندب، فهي تستفيد أيضًا من انخفاض التهديدات الحوثية للملاحة. وإنما يكمن الاختلاف في هوية الأطراف التي تتولى إدارة هذا الأمن، ومن يمتلك القرار السياسي والعسكري بشأنه.
أما الجانب الأكثر أهمية لدول الخليج، فيتعلق بانعكاس هذا الاستقلال الأمني على العلاقة مع الولايات المتحدة في مضيق هرمز.
فقد أصبحت أزمة هرمز مرتبطة بصورة مباشرة بالصراع العسكري الأمريكي الإسرائيلي مع إيران. وبينما تفرض واشنطن حصارًا بحريًا على الصادرات الإيرانية، تستمر الهجمات والتهديدات الإيرانية ضد السفن، الأمر الذي يضع صادرات الطاقة الخليجية أمام أخطار لا تستطيع الدول المنتجة التحكم في توقيتها أو مدتها.
ووفقًا لتقرير نشرته رويترز في 19 أكتوبر، تراجعت تدفقات النفط الخام الخليجية عبر هرمز إلى متوسط يقارب 8.5 ملايين برميل يوميًا خلال الأسبوع السابق، بعدما تجاوزت 20 مليون برميل يوميًا في الأسبوع الذي سبقه، بحسب بيانات شركة كبلر.
والنتيجة أن دول الخليج تواجه خسائر مباشرة من اضطراب الصادرات، بينما تتيح ندرة الإمدادات فرصًا تجارية لبعض منتجي النفط والغاز المنافسين، ومن بينهم المنتجون الأمريكيون.
لكن الاستفادة التجارية من الأزمة لا تثبت أن الإدارة الأمريكية تتعمد إطالة الإغلاق. فارتفاع أسعار الطاقة يضر أيضًا بالمستهلك الأمريكي وبالاقتصاد العالمي. ومع ذلك، فإن هذه النتائج تبرز خطورة بقاء مصير الصادرات الخليجية مرتبطًا بقرارات عسكرية تتخذها واشنطن وطهران.
وهنا يمكن أن يصبح التوافق العربي عاملًا مؤثرًا في تغيير المعادلة.
فالدول الخليجية التي تتفق مع مصر وشركائها الإقليميين على حماية البحر الأحمر ومعالجة الأزمة اليمنية تستطيع أن تطور موقفًا سياسيًا جماعيًا بشأن هرمز، يرفض استخدام الممرات البحرية الخليجية لتوسيع الحروب المرتبطة بالأهداف الإسرائيلية، ويطالب بإنهاء العمليات التي تعرض التجارة والطاقة للخطر.
كما يمكن لهذا التوافق أن يعزز قدرة الدول الخليجية على رفض استخدام أراضيها وقواعدها ومجالاتها الجوية لشن عمليات هجومية لا تتعلق بالدفاع المباشر عنها، مع المحافظة على علاقاتها الدولية وحقها المشروع في حماية أمنها.
ومن شأن هذه السياسة، إذا اقترنت بقدرات أمنية عربية مشتركة، أن تقلل قدرة إسرائيل على التأثير غير المباشر في أمن الخليج من خلال علاقاتها العسكرية بالولايات المتحدة.
فكلما امتلكت الدول العربية وسائل مستقلة لحماية الملاحة وتبادل المعلومات والتعامل مع التهديدات، تراجعت الحاجة إلى إدماج إسرائيل في ترتيباتها الأمنية، وأصبحت واشنطن مطالبة بالتعامل مع موقف عربي جماعي بدل التعامل مع دول منفردة تختلف في تقدير الأخطار.
لكن الهدف لا ينبغي أن يكون إخراج السفن الأمريكية من ممر دولي تتمتع فيه السفن بحقوق الملاحة، وإنما إنهاء الانفراد العسكري الأمريكي بإدارة أمن المضيق، ومنع تحويل حمايته إلى مبرر لاستمرار التصعيد أو فرض القيود على التجارة.
وفي المقابل، يجب ألا يؤدي تقليص الدور الأمريكي إلى تمكين إيران من فرض سيطرتها على المضيق. فحرية الملاحة لا تتحقق باستبدال هيمنة بأخرى، وإنما بترتيبات قانونية وأمنية تضمن عبور السفن التجارية دون تهديد أو تمييز.
وهذا يتطلب دورًا أساسيًا للدول المشاطئة، والاستفادة من الوساطة العُمانية، وتفعيل المؤسسات البحرية الدولية، مع المحافظة على قنوات الحوار مع جميع الأطراف.
ولا يجوز أيضًا أن يكون اليمن مجرد وسيلة لتحقيق التوازنات الإقليمية. فنجاح أي توافق عربي يستلزم معالجة الانقسام اليمني، ودعم مؤسسات الدولة، وحماية المدنيين، وإيجاد تسوية سياسية مستدامة تمنع استمرار استخدام الأراضي اليمنية لتهديد الدول المجاورة والملاحة الدولية.
إن العلاقة بين اليمن وهرمز ليست علاقة جغرافية مباشرة، وإنما علاقة سياسية واستراتيجية. فنجاح الدول العربية في إدارة الأزمة اليمنية بصورة مستقلة يمكن أن يمنحها ثقة وقدرة تفاوضية أكبر في معالجة أزمة هرمز، ويقلل اعتمادها على الضمانات الأمنية الأمريكية المرتبطة بحسابات إسرائيلية وإقليمية أوسع.
والخلاصة أن أهمية التوافق الخليجي–العربي لا تكمن في إضافة قوة عسكرية جديدة إلى الحرب اليمنية، وإنما في احتمال نشوء قرار عربي مستقل يستطيع حماية أمن المنطقة، والحد من النفوذ الإسرائيلي، وتقليص الحاجة إلى التدخل العسكري الأمريكي.
وإذا تطور هذا التوافق إلى سياسة أمنية مشتركة، فقد تصبح الدول الخليجية أكثر قدرة على رفض استمرار الحروب التي تعطل اقتصاداتها، والمطالبة بعودة مضيق هرمز إلى وظيفته الطبيعية ممرًا للتجارة الدولية، بدل بقائه ساحة صراع تخضع فيها مصالح الدول المنتجة لحسابات القوى المتحاربة.
وبذلك يصبح التوافق العربي بشأن اليمن خطوة محتملة نحو إعادة القرار الأمني إلى الدول العربية، لا مجرد اتفاق عسكري جديد في حرب قديمة.
المصادر الرئيسية: تقرير الغارديان بتاريخ 17 أكتوبر 2026 ، وتقرير رويترز عن دعم مصر للسعودية ، ودراسات معهد الأمن القومي الإسرائيلي الصادرة في 2 يونيو و20 أغسطس و25 سبتمبر 2026 ، وتقرير رويترز عن حركة النفط في هرمز بتاريخ 19 أكتوبر .
المصادر والمراجع: مجلس الأمن، تقارير فريق الخبراء المعني باليمن؛ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، مراجعة التعافي اليمني 2023–2025.
بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة
Comments
Post a Comment