هرمز من ورقة إيرانية إلى مشروع خليجي جديد

هرمز… من ورقة إيرانية إلى مشروع خليجي جديد

إعداد وتحليل: عبدالعزيز فهد الهزاع – محلل اقتصاد وتسويق – الدوحة – 11 مايو 2026

من يراقب أسلوب إيران في المفاوضات، وطريقة المراوغة الطويلة، والتصعيد غير العقلاني في إدارة الأزمات، قد يستبشر ـ paradoxically ـ بالخير لعواقب ذلك على إيران نفسها، وعلى مستقبل مضيق هرمز أيضاً.

فالتاريخ يقول إن من يفاوض العالم على شيء يظن أنه يملكه بالكامل… قد ينتهي به الأمر إلى فقدانه بالكامل.

وإيران تبدو اليوم وكأنها تفاوض على هرمز باعتباره ورقة سيطرة دائمة، بينما العالم بدأ يفكر كيف يغيّر صفة المضيق نفسها إلى الأبد.

إيران تدرك أن العالم ما زال يخاف من اضطراب المضيق، ولذلك قد تحاول إبقاء التوتر هناك: تهديد الملاحة، رفع كلفة التأمين، أو خلق حالة قلق دولي مستمرة دون الوصول إلى إغلاق كامل يفتح عليها أبواب مواجهة واسعة.

لكن المشكلة أن اللعب الطويل بهذه الورقة قد ينقلب على إيران نفسها.

فالعالم لا يريد فقط إيجاد طرق بديلة عن هرمز كما يعتقد البعض، لأن البدائل مهما توسعت لن تلغي الأهمية الجغرافية للمضيق بالكامل.

المسألة الأعمق اليوم هي أن القوى الكبرى لم تعد تريد أن يبقى هرمز “ورقة سيادية إيرانية” أو مساحة يمكن لدولة واحدة أن تهدد منها التجارة العالمية كل عدة سنوات.

وهنا تبدأ أخطر مرحلة… مرحلة تغيير صفة المضيق نفسها.

أي تحويل هرمز من مضيق يعيش تحت التهديد السياسي والعسكري الإيراني… إلى ممر دولي محمي بإرادة دولية دائمة، تشارك فيه قوى بحرية واقتصادية كبرى، وتصبح أي محاولة لابتزازه أقرب إلى مواجهة مع النظام التجاري العالمي بأكمله، لا مع دولة منفردة.

أمريكا إذا لم تُرد العودة إلى القصف الشامل، تستطيع نقل المعركة إلى هذا المستوى تحديداً:

تحويل هرمز من “ورقة ضغط إيرانية” إلى “منطقة أمن اقتصادي عالمي”.

وفي المقابل، ستجد دول الخليج نفسها أمام فرصة تاريخية ربما لم تتكرر منذ عقود.

فكل أزمة في هرمز تدفع العالم أكثر نحو قبول دور خليجي أكبر في إدارة أمن الطاقة والتجارة والملاحة، لا باعتبار الخليج مجرد مصدر نفط… بل باعتباره شريكاً في حماية الاقتصاد العالمي نفسه.

وهنا تقع المفارقة الإيرانية الكبرى:

كلما استخدمت إيران هرمز كسلاح… زادت القناعة الدولية بأن المضيق يجب أن يتحرر من قدرة أي طرف منفرد على التحكم النفسي والسياسي به.

الصين تدرك هذه الحقيقة جيداً.

فبكين لا تنظر لإيران بعين الثورة، بل بعين المصانع والموانئ والطاقة.

هي تحتاج استقرار الخليج أكثر مما تحتاج التصعيد الإيراني، لأن أي انفجار طويل في هرمز يعني اضطراباً في سلاسل الإمداد العالمية التي تقوم عليها القوة الاقتصادية الصينية نفسها.

ولهذا فإن أي زيارة مرتقبة لـ Donald Trump إلى الصين قد لا تكون مجرد ملفات تجارية… بل تفاوضاً غير معلن حول مستقبل هرمز نفسه.

فالصين تستطيع الضغط بهدوء على طهران اقتصادياً، وتستطيع أيضاً دعم ترتيبات دولية تضمن بقاء المضيق مفتوحاً وتحت حماية دولية مستقرة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران.

العالم اليوم لا يريد حرباً واسعة… لكنه أيضاً لم يعد مستعداً لأن تبقى التجارة العالمية معلقة على أعصاب دولة واحدة.

ولهذا قد تكون اللحظة الحالية بداية مرحلة جديدة في الخليج:

مرحلة ينتقل فيها هرمز من “أداة تهديد إقليمية”… إلى “ممر دولي محرر من الابتزاز الجيوسياسي”.

وفي النهاية، ربما يكون أخطر ما فعلته إيران أنها دفعت العالم للتفكير جدياً في إعادة تعريف هرمز نفسه… لا كجغرافيا إيرانية قادرة على التهديد، بل كبوابة عالمية لا يحق لأحد احتكارها أو تعطيلها مرة أخرى.

المصادر والمراجع: إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ممرات عبور النفط العالمية (2026)؛ الأمم المتحدة، اتفاقية قانون البحار (الأحكام المتعلقة بالمضائق)؛ الأونكتاد، مراجعة النقل البحري 2025.

بمساعدة الذكاء الاصطناعي في البحث والصياغة

Comments

Popular posts from this blog

هل نُهبت 1.4 تريليون دولار من أموال العرب؟ من كان يعرف؟ ومن سمح بمرورها؟ وما دور الاستخبارات الغربية؟ — مدة القراءة: ٦ دقائق

وزير الصحة الأمريكي يهاجم العرب والخليج يتفوق على بلاده صحياً: دراسة خمسين عاماً تكشف الحقائق — مدة القراءة: ٦ دقائق

هل يرحل المال قبل الخطر؟